السلام الوطني في العراق

النشيد الوطني العراقي لمحة تاريخية معاصرة

باسم حنا بطرس

فنان، ناقد، باحث في علوم الموسيقى

أوكلند  نيوزيلندا 2004

 Rabindranath Tagore

I used to play (on piano) the tune of this National Anthem during 54-1955 when I was working at the Indian Embassy in Baghdad; but still recall its original lyrics, which start with: 

(Jana Gana Mana Ad_hi Nayaka Jayahey).

 Rabindranath Tagore (1861-1941), Nobel laureate for literature (1913), was one of modern India's greatest poets and the composer of independent India's national anthem. This Anthem was never changed since Indias independence in 1948.

أثناء عملي لدى السفارة الهندية ببغداد أواسط الخمسينات، تعرفتُ على النشيد الوطني الهندي الذي كتب كلماته ولحَّنه شاعر الهند وفيلسوفها رابندراناث طاغور.   باسم بطرس


وجدتُ في هذا المقطع الخاص بشاعر الهند الأكبر رابندراناث طاغور،

مدخلاً لتناول موضوع (السلام الوطني العراقي).

السلام الوطني العراقي

إعتمدت دول العالم كافة رمزَيْن يعبِّران عن هوية البلد كدولة معتَرَف بها؛ هذان الرمزان هما (العلَم والنشيد الوطني).

ولكلا الرمزَين شروطٌ ينبغي الأخذ بها؛ ولهذه الشروط شروط فنيَّة موازية. لكنها تجتمع في هدف مركزي واحد، هو رمز تكريم البلد، أرضاً وشعباً وسيادةً. لذلك أخذت الدول بوضع قوانين خاصة تفرد فيها الشكل التصميمي للعَلَم، من حيث اللون والمقاييس والمفاهيم المعتمدَة فيه. وكذلك تلزم الأعراف الدولية إحترام العلَم كرمز سيادة البلد.

أما النشيد الوطني، الذي إعتدنا تعريفه بالسلام الجمهوري أو الملكي أو الأميري، فله شروطه الفنية من حيث شكل وبنية اللحن، الذي قد يكون لحناً موضوعاً على كلامٍ مقفَّى (قصيدة)، أو لحناً مستقلاً بذاته، تؤدّيه الفرق الموسيقية وبخاصة أجواق الموسيقى العسكرية.

 العراق، كدولة حديثة تأسست في العام 1921 باسم (المملكة العراقية) ، وصار الملك فيصل الأول ملكاً عليها، كان له (السلام الملكي) الموضوع من قبل ضابط موسيقى بريطاني، شكل لحنه عبارة عن نغماتٍ صادعة ونازلة عبر تسلسها في السلَّم الموسيقي المعتمَد. وهو لحنٌ بسيط مبني على الوزن الثنائي (2/4) بإيقاع المسير. وعليه تم وضع نصٌ كلامي يقول مطلعه:

دُم يا كريمَ النسب

يا شريفَ الحسب

فيصلٌ؛ فيصل.

 ي تلك الحَقبة من تاريخ العراق الحديث، كان لزاماً إفتتاح كافة الفعاليات بالسلام الملكي، الأمر الذي يستوجب وقوف الناس إحتراماً. على سبيل المثال، كانت دور السينما تعرض فلماً يُظهر ملك البلاد (في زمننا كان الملك فيصل الثاني) ومن خلفه العلَم العراقي مرفرفاً، على صوت الأسطوانة القرصية (الفونوغرافية) المسجَّل عليها موسيقى السلام. (المدوَّنَة الموسيقية في الشكل رقم 1). بقي هذا السلام معتمَداَ طيلة العهد الملكي حتى سقوطه صبيحة الرابع عشر من تموز سنة 1958، فسقطت معه كافة المسمَّيات والرموز الملكية في العراق.

مسلسل المتغيرات السياسية في العراق

بطبيعة الحال، عند حدوث إنقلابٍ أو تغيير نظام الحكم في البلاد، كما في مسلسل المتغيرات الناجمة عن الإنقلابات والثورات المتتابعة، يأتي العهد الجديد بالرموز الجديدة التي يريدها تعبيراً عن سيادة الوطن، وهكذا كان الأمر مع كلٍّ من النشيد الوطني والعلم العراقي بشكلٍ أكثر بروزاً من بين كل المتغيرات، كونهما ملازمَيْن الحدَث اليومي للشعب والبلاد.

 

السلام الجمهوري (ثورة 14 تموز 1958)

في العهد الجمهوري، تقرر إلغاء العلَم والسلام الملكيين، واستبدالهما برمزَين جديدَين للجمهورية العراقية.

بقدر تعلق الأمر بالسلام الجمهوري العراقي، هكذا صار إسمه، كان الموسيقي العراقي الراحل (لويس زنبقة) من خريجي قسم الموسيقى الهوائية في معهد الفنون الجميلة أواسط الخمسينات، يواصل دراساته الموسيقية في العاصمة النمساوية (فيينا) عند قيام ثورة 14 تموز، فبادر هناك إلى وضع لحن للسلام الجمهوري، وتدوينه موزَّعاً على كافة أقسام (آلات) جوق الموسيقى الهوائية وتسجيله من قبل جوق موسيقي نمساوي؛ قدَّمه مرفَقاً برسالة منه إلى الزعيم عبد الكريم قاسم، قائد الثورة، عِبر سفارة العراق في فيينا، شارحاً فيها الأفكار والمضامين التي إعتمدَها في صياغة اللحن، وهو بشكل مارش المسير (Marsh). وبهذا تقرر إعتمادَه سلاماً وطنياً للجمهورية العراقية. (المدونة الموسيقية في الشكل رقم 2).

 

مرحلة ما بعد 1963

تم إعتماد لحن نشيد (والله زمن يا سلاحي) لملحنه المصري كمال الطويل، إبّان قيام ثورة 14 رمضان (8 شباط/فبراير عام 1963).

إستمر هذا النشيد بعد قيام ثورة 17 تموز عام 1968، لغاية العام 1981 حين تقرر إقامة مسابقة لتلحين النشيد الوطني الجديد للشاعر شفيق الكمالي، تولَّت دائرة الفنون الموسيقية بوزارة الإعلام تسجيل كافة المشاركات الموسيقية للفنانين العراقيين ومن ثم الإستماع إليها من قبل لجنة متخصصة، قامت بوضع الدرجات التقويمية لكل منها. رجحَّت النتائج مشاركتَين  لضاطَين من الموسيقى العسكرية هما عبد السلام جميل فرنسو وعبد الرزاق العزاوي، بحكم إختصاصهما المهني/الفنّي بمثل هذا النوع من الموسيقى.

لكن لعبةً جرت في الخفاء تمثلت بتكليف الموسيقي اللبناني وليد غلمية، حين كان متعاقداً مع حكومة العراق لتأليف أعمال موسيقية وتلحين أناشيد قومية. فقام غلمية بوضع لحن له، تم تسجيله من قبل أوركسترا يونانية ومن ثم إعتماده العام 1981 بمرسوم جمهوري.

 يقول مطلع النشيد:

وطنٌ مدَّ على الأفقِ جناحــا       وارتدى مجد الحضارات وشاحا

بوركَت أرض الفراتين وطن    عبقري المجد عزماً وســماحا.

 أما اللحن فقد كان بالصيغة المعتادة في الأناشيد المدرسية، مفتقراً إلى المواصفات الفنية الخاصة بالسلام الوطني (الملكي أو الجمهوري). قد تكون كثرة أبيات القصيدة المغناة وطولها سبباً. الأمر الذي تطلَّب قيام مدير الموسيقى العسكرية العراقية ومعاونه بالسفر إيفاداً إلى إنكلترا لإعادة صياغة اللحن كي يلائم البنية الفنية لأجواق الموسيقى العسكرية التي تتولى في العادة أداء السلام الوطني. تم تسجيل لحن النشيد من قبل جوق بريطاني.

 

مرحلة تغيير نظام الحكم في العراق

بعد تغيير نظام الحكم العراقي في العام 2003، أخذت بعض الإجتهادات "العاطفية" تدعو لإعتماد نشيد (موطني) الذي كان يُنشَد فترة الثلاثينات حتى الخمسينات، سلاماً ونشيداً وطنياً للعراق. لما للنشيد من وقعٍ في نفوس العراقيين.

كما قيل بأن الهيئة الحاكمة في البلاد تروم تغيير النشيد الوطني والعلم العراقي. وقيل أيضاً بأن ثمة لجنة تم تشكيلها لوضع الأفكار المطلوبة حول إختيار النشيد المزمَع ترشيحه نشيداً (سلاماً) وطنياً لدولة العراق. لكن الأمور ظلَّت طي الكتمان، إكتنفها الصَمْت.

###

السلام الوطني العراقي

القسم الثاني

 بعد الذي حصل في العراق من تغيير في نظام الحكم فيه، هبَّت فصائل الشعب هناك مندفعةً ومتدافعة لطرح البدائل على كافة أصعدة الحياة: وشمل ذلك رموز سيادة البلد، كما أسلفنا في الحلقة الأولى من هذا الموضوع، متمثلةً في العَلَم والنشيد الوطني (المعروف بالسلام الوطني). ومن بين ما طُرحَ على الساحة، نشيد (موطني) باعتباره، كما أسلفنا، من بين أبرز الأناشيد الوطنية والقومية التي تغنَّت بها حناجر الشعب إبّان إستقلال العراق وتأسيس دولته الدستورية مطلع القرن العشرين المنصرم.

 

نبذة عن الأناشيد الوطنية في العراق

لعلّي هنا أستدرك لأدير دفَّة الموضوع إلى سالف الأيام عند تأسيس الدولة في العراق الحديث، المملكة العراقية في العام 1921، كي نأخذ منها قبسَ ضوءٍ نمنح من خلاله القاريء فرصة التعرف إلى نشيد موطني.

إنتشرت الأناشيد (القومية) في بلاد {الهلال الخصيب} الذي يشمل بلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) والعراق، فصار النشيد بمثابة جسرٍ يربط بين هذه شعوب هذه البلدان، لتدفع في النفوس حميَّة التحرر لنيل إستقلال البلد من السيطرة الأجنبية السائدة آنذاك.

في العراق، وهو موضوع بحثنا، كان النشيد الوطني منتشراً بين صفوف الشبيبة من الطلبة وفصائل الحركة الكشفية، على يد روّاد عراقيين، كان في المقدمة منهم (الموسيقار حنا بطرس) بصفته المسؤول الموسيقي في الهيئة القائدة للحركة الكشفية، ومسؤولاً عن جوقها الموسيقي. فلحَّن مجموعةً كبيرة من الأناشيد لأبرز شعراء العراقيين والعرب آنذاك، نذكر من بينها:

-       محمد باقر الشبيبي، في عدد من الأناشيد الملكية، منها النشيد القومي الملكي، الذي يقول مطلعُه:

التاجَ ظفرناهُ والعرضَ أقمناهُ

والحُكمُ لنا شورى قد أصبح دُستورا

-       صادق الأعرجي، من بين أبرز أناشيده نشيد ذكرى المولد الملكي، يقول مطلعه:

يا مليك دولتنا أنت دولة العرب

يا سليلَ سادتنا أنت سؤدَد العرب

أما خليل مردَم، فاشتهر بنشيده (حماة الديار) الذي يقول مطلعه:

حماة الديار عليكم سلامُ      أبَت أنْ تذلَّ النفوس الكرامُ

ولفخري البارودي نشيد (نحن طلاّب المعالي) يقول مطلعه:

نحن طلاب المعالي             نحن جندُ العرب

حين نمشي لا نبالي             بالأذى والنُوَبِ.

 وقامت الفصائل المذكورة بإنشادها على وقع الطبول ونفير الأبواق وهي تهدر أثناء خط مسيرها عبر شوارع بغداد، وجماهير الشعب تتابع مواكب المسير وتسهم في ترديد النشيد.

 في العام 1936، شهدت بغداد تأسيس إذاعتين، هما: محطة بغداد للإذاعة اللاسلكية (هكذا كان إسمها الرسمي)، وإذاعة قصر الزهور، التي عملت تحت توجيه وإشراف الملك غازي الأول، إختصت حصراً بالدفاع عن القضايا الوطنية والقومية، حيث عمل فيها حنا بطرس مشرفاً للموسيقى والنشيد، فكانت تقدَّم الأناشيد القومية الملحَّنة من قبله وبإشرافه شخصياً، وكان المنشدون من طلبة المعهد الموسيقي ببغداد (المؤسَّس في نفس العام) وفصائل الفتوة والكشافة.

هكذا أخذت الأناشيد تقدَّم وتنتشر من خلال الأثير، بأصوات طلبة المدارس والمعاهد وفصائل الفتوة والكشافة العراقية ملتحمةً مع حناجر جماهير الشعب المرددة. وبرز من بينها نشيد (موطني).

 

تحليل نشيد موطني

حين نقرأ كلمات النشيد نستشعر نبرَ إيقاع كلماتِه الواضح، وتتكشف أمامنا الوحدة الإيقاعية: 

 

أما اللحن فقد بُنيَ على إيقاع المسير الثنائي (بمعنى واحد إثنان) كما موضح في المدوَّنة الموسيقية المعروضة هنا ضمن مقالنا هذا.

موطني موطني

الجلال والجمال

والسناء والبهاء في رُباك

في رُباك

والحياة والنجاة     والهناء والرجاء

في هواك    في هواك

هل أراك: سالماً منَعَّماً  غانماً مكرَّمـاً

متى سيكون لدينا سلامٌ  وطني نشيداً عراقياً!

 النشيد، عموماً، تعبيرٌ رمزي لقضيَّة لها قدسيتها في ضمير المجتمع. وعلى هذا الأساس جرى التقليد على إحترام أداء النشيد الوطني بالوقوف والإصطفاف وغيرها من أساليب الإحترام. من هنا جاءت أحكام القانون الذي تسنُّه الدولة مشدِّدَةً على إعتبارات الإحترام هذه.

لكن الذي يحصل في البلدان التي تهزُّها الإنقلابات أو الثورات "شطب" كل ما كان معتمَداً في العهود السابقة، وكأنَّها أثوابٌ أصبحت بالية ليؤتى بأثواب بديلة جديدة أخرى، قد يكون بعضها تمجيداً للسلطة أو الحاكم. لذلك ما عاد الناس يأبهون بوجوب إعلان مظاهر الإحترام المطلوبة، فأصبحت مسألة روتينية تفتقر إلى مصداقية الإنتماء.

بقي النشيد يراوح في ساحة ضيقة من مادة "الموسيقى والنشيد" في المدارس، وحصة هذه المادة تحولت إلى حصة إحتياط تعويضاً لمادة علمية تتطلب إضافةً زمنية لإتمام منهاج الدراسة.  وهكذا إبتعد الناس عن التغني بأي نشيد وطني. وصار لهم أولويات معاشية أكثر أهميةً عندهم من غيرها.

قبل الخوض فيما سيؤول إليه السلام (النشيد) الوطني في العراق الجديد، أستدرك لأتناول بعد الذي حصل في العراق من حربٍ آلت بنتائجها القاسية على عموم المجتمع، تفجَّرَت الإجتهادات العفوية والعاطفية في الأخذ بهذا الأمر وإلغاء تلك المسألة، دونما إعتمادٍ على مصدر قانوني. لذا أود الإشارة هنا إلى أنَّ العلَم العراقي الذي أقرَّه وإعتمده النظام السابق، ما يزال يُرفَع في البلاد شعبياً ورسمياً، بينما عُدَّ النشيد الوطني السابق رمزاً لذلك النظام، فما عادَ  يُسمَع!. وكلا الرمزين هما من نتاج النظام السابق.

وعلى هذا الأساس يُفتَرض بالنشيد الوطني أنْ يجسِّد فكرة تصميم العلم، كونهما رمزان تعبيريان لنسيج وحدة البلد وسيادته. ويفترض تحقيق جذبٍ للجماهير للعودة إلى إحترامهما.

 

نموذج مقترح لنشيد جديد

ومن هذا المنطلق، أعرض لمقترح نشيد وطني جديد للبلاد، كتبه الشاعر جاسم ولائي ولحَّنه الفنان محمد حسين كمر: 

الله   يا عراق    يا عراقي      لبَيّْكَ  يا عراق  يا عراقي

يا باسق النخيل ،   والجبال والمنائر ،   والعلوم   والشعائر

يا سومر  الأجداد ،  والامجاد ،  والأبطال  قل   لبابل

على   السهول، والشفاه،  والعيون   تضحك   السنابل

بفكرنا   ..    وزندنا  وأخوة في الأرض والمصير

بعُربنا      وكُردنا   سواعد     قادمة    هاتفة     بوحدتنا

نبنيك  يا عراق     نبنيك يا عراق     نبنيك يا عراق

 

خـــــــاتمة

لعلنا ندرك من خلال حديث الفنان محمد حسين كمر، أسلوب العمل المشترك الذي يجمع بين قطبَي النشيد شاعراً وملحناً، بهدف تحقيق الإنعكاسات المعبرة لفكرة وهدف النشيد؛ نعرض لحديثه الآتي:

يقول الملحن محمد حسين كمر:

{تداولتُ مع الشاعر في مضمون النشيد الجديد ومعايير الحالة العراقية الجديدة الني يتضمنها النشيد في التغنّي بالوطن العراقي بأطيافه المختلفة وتنوّعه العرقي والثقافي والجغرافي وعمقه التأريخي وطموح أبنائه لبلوغ الحريّة والتماسك لبناء الوطن على أسس جديدة وحضارية.

أعتمدتُ، والحديث للملحن، في البناء اللحني للعمل على مقام "الحجاز كار" الذي يكاد أن يكون قاسماً مشتركاً في تراث موسيقى العراق بقوميات شعبه. وفي الجانب الإيقاعي إعتمدتُ إيقاعاً مبتكراً قريب من ضغوط إيقاع المارش، وبأصوات مجاميع الأطفال للأيحاء بالمستقبل.}

 

وهكذا نسدل الستار، مؤقتاً، لموضوعة السلام الوطني العراقي.

وهكذا ستبقى ذاكرتنا تتغنى بالنشيد الخالد (موطني: سالماً منعَّماً غانماً مكرَّماً).