مظلات تنحني لقاماتنا
د. بهنام عطاالله
المجموعة الشعرية الثالثة للشاعر د. بهنام عطاالله ، صدرت عن مكتب الفادي في قره قوش عام 2002. احتوت المجموعة على (16) قصيدة ، منها : وتشم عطر فواجعي ، متاحف متاحف أيتها الفواجع ، بنية الفراغ ، مقطعات الفصول ، محطات تبحث عن معنى ، ومضات خافتة ، وحشة القصيدة الأهلة وغيرها ، حيث كانت اغلب القصائد قد نشرت في الصحف والمجلات العراقية والعربية . كما تناول المجموعة بالنقد والتحليل عدد من النقاد والأدباء والكتاب العراقيين منهم : أنور عبد العزيز ، ساطع محمود الجميلي ، جبو بهنام بابا ، شوقي يوسف بهنام ، معن عبد القادر آل زكريا، وعدالله ايليا ، رمزي هرمز ياكو ، فارس الرحاوي ، كريم اينا وغيرهم ، نشرت اغلبها في الصحف والمجلات العراقية . وسوف تنشر في كتاب مستقل قريباً .
وتشم عطرَ فجائعِي
ما نحصل‘ عليهِ في حياتِنا
هو الغبارْ..
والغبار‘ فقط ْ !!
( فتعالوا ،
نجر‘ هذا العصرَ من لسانهِ المبتذلِِ ،
ونمشي عراةًَ
لقولِِ الحقيقةِْ ..) !!
* * *
وَتشم‘ عِطرَ فجائعي
تشحنها بالدموعِِ
لأن مآقيكَ اغتنمتْ
شراسة‘ المسافاتِ القصيةِ ..
ويقظة‘ البوحِِ الجميل
تومض مقاماتها الساخنة
منْ وجع الايعازاتِ الركيكةِ
هكذا أنتَ دائماً …
غارق‘ بالمواعيدِ اليابسةِ
سائر فيكَ إليكَ
ومنْ اجلِ ذلكَ ( قلْ دائماً " لا "!!
حتى تركعَ هذهِ ألـ " نعم " ،
صاغرةً عندَ قدميكَ !! ")
* * *
عندَ الجسر ِالقديم ِ
وقفَ الشاعر‘ يبكي منْ فرطِ بلادتهِ !
‘سئلَ .. لماذا تذرف‘ هذهِ الكلمات بلا جَدوى ؟
قال : كي يخلعَ هذا الجسر‘ صدأه‘ ،
ويلبسَ بدلته‘ القديمة َ
* * *
من أجلكِ أيتها المظلات
ينهمر‘ مطري ..
وتملأ وساداتي
بأحلام ٍ مؤجلةٍ و…
بلاغات كاذبة
* * *
لمْ تؤشرْ خطوط َ البارومترَ درجة َ
شخيره‘ هذه الليلة َ
لحدوثِ ‘عطل ٍ فني ٍ في قلبهِ
فأبَدلها بسمفونيةٍ لأوبرا محليةٍ
( إلى بولص شليطا ملكو)
* * *
هذهِ الأحابيل‘ ،
ليستْ للحماقةِ والتفاهةِ ...،
أو للكراسي الأنيقةِ ..
بلْ ..
مناشف‘ نؤثث‘ بها أدغالنا
* * *
ما دامَ الطائر‘ ‘يغرد‘ خارجَ سربهِ
فهو إذنْ موجود‘
* * *
تمردَ الخيط‘ ،
حينما دخلَ الشاعر‘
من ثقبِ إبرةٍ صاغراً !!
وقدمَ شكوى ..
إلى هيئةِ الأمم ِ المبعثرةِ
خرافـــة
(حينَ يضيق‘ الأفق‘ بعينيكَ
تتسع‘ ِجهات‘ الأرض ِ الأربعةِ)
ينظر‘ في الإسفلتِ
لا يرى إلا..
نفسَه‘
ينظر‘ في الأفق ِ
لا يرى إلا..
نفسَه‘
فالجهات‘ الأربعَ :
شمالْ + جنوبْ + شرقْ + غربْ = X
يقرأ في كتابٍ قديم ٍ
أو جديدٍ .. لا فرقَ
لا يلفظ‘ سوى اسمِه
يمشي فيمشي (هو) خلفه
مثلَ غيمةٍ في شهر آب
يهذي ..
فيعود إلى نفسِه
( هذا الرجل‘
كيفَ سيعرف‘
أنَ القبضة َ من ريح ٍ
وأصابَعه‘ محض‘ هواء ٍ
والأقدام‘ خرافة )
انخفاض جوي
كيفَ تتراشق‘ بالسنابل ِ
عفواً … بالقنابل ِ ،
وتسرق‘ ملحَ وجهي
وأنتَ…
تنزف‘ اشتهاءَ الفصول ِ؟
… ولانَ السماءَ عزلتكَ المفرطة
فأنتَ واضح‘ كالخديعةِ
تسح‘ خلفَ زجاج الأيام ِ
كيفَ تنهض من أعماقكَ
مثلَ انخفاضٍ جويٍ مزمنِ ٍ …
لتستعيرَ أوقاتِنا
وتلقي عن كاهلكَ ‘سحبأً للذكرى !؟
كيفَ تجهل‘ راياتِكَ المبعثرةَ ،
فوق تقاطعاتِ الطرق
وإشاراتِ المرور ِ ؟
حيث يتقيأ النهار‘ صحفَ الليل ِ
وحبرَ المطابع ِ
في أكشاكِ بيع المواجع ِ
والعملاتِ الصعبة ..
أنتَ …
مثلَ أقسام ِ الجسدِ ونبضِ الأوجاعِ
لذلكَ تركتَ بصماتكَ
فوقَ طابع ٍ قديم ٍ
أو تأشيرة سفر رثةٍ
تطلق‘ صمتها أنقاض خربة
محشوة َ بعباءةِ القلق
عواصف‘ تحاصر‘ سعالَ أجنةِ الأنابيبِ
المغلفةِ بالصدأ ..
وبوح ِ القصيدةِ المؤجلةِ
* * *
تحتفل‘ الولادات‘ في حقل ِ الحياةِ
كالخرافِ الجائعةِ ..
ملقية ً أسماءَها في (جرنِ العماذ)
في كنيسةِ الطاهرةِ …
و دفاتر (أبونا لويس)
مثل التوابيتِ العتيقةِ / الشائخةِ
معروضة‘ في سوق ِ الخشابينَ
محشوة ً ببصماتِ وضمائرَ وأفعالٍ مطلقةٍ
تلقى عليها نظرة َ اشمئزاز ٍ
أو غفوةٍ ..
أو لفتِ نظر ٍ …
للصَحوة
متاحف متاحف...
أيتها الفواجع
صوت‘ يتحجر‘ في ذاكرةِ القمحِ ِ/ يقضم‘ تفاحةَ َ الأرصفةِ المسبيةِ / تؤرقه‘ دمعة‘ أغلقت ستائرَها وشاخَتْ ، إمتدتْ مع نوايا قاماتِنا / قاماتنا تقتات‘ من حنطةِ الربِ المباركةِ ، وبياضاتِ الملائكةِ/ تماثيل‘ رثة‘ لأرواحِنا وهي تكشط‘ أخطاءَنا وخطايَانا الملونةَ بملاقطِ الحدادين … و تجمع‘ / تطرح‘ / ‘تقسِم‘ / وَتضرب‘ فوقَ رؤوسِنا جذورَها التربيعيةَ / التكعيبيةَ ، نلوك‘ هواءَنا العميقَ / َبصمات‘ تختم‘ على الأرضِ بريدَ القيامةِ .
معكِ ما زال الدرب‘ لجوجاً .. أيتها المتاحف‘ ..فثمة‘ ‘سخريةٍ تَشطف‘ مكائَدنا وتلقي بها على الأرائكِ ..
أما آنَ لهذا الزهو المجيدِ أنْ يسقطََ في خَندقِ نواياكِ أيتها الفجيعة‘ !! لتجعليهِ يثرثر‘ أمامَ شرائِطنا البائدةِ ، لئلا يطول‘ لساني وينحني في فمي ، فينبت‘ العشب‘ فيهِ . ويَحفظ‘ على ظهر قلب مراثي أيام ِ طوفانِنا الأخير ِ ..
لتحتفلي يا متاحفَ الشمعِ بفواجعنا ، بألسنةِ النارِ ِ ، وزناخاتِ الأغنياءِ ، فعلى راحةِ لسانكِ ، سأقص‘ شريطَ َ الطفولةِ ، على مقاسِِ حدقاتي ، وأخطه‘ على طاولةِ الهزيمةِ !! القي بهِ على مساطبِ أسواقِِ الباعةِ المحظوظينَ وسَماسِرةِ السوقِِ السوداءِ / البيضاءِ..لا فرقَ ..
انه‘حلمي الأعرج‘ …
يمشي … على عكازةِ الهزائمِ
وشرفات‘ الغيابِ / مغاليق‘ النشوةِ ،
تشهق‘ في (‘مقرتايا )
أو( ديرِِ السيدةِ )
يمتد‘ مثلَ غيمةٍ حطتْ على أنفاسِِ( الشيخ متى )
أو قلايةِ ( إبن العبري..) (1)
هابطة‘ من نعشٍِ على راحةِ يدي
فمنذ‘ أنْ ولدتْ أول‘ كلمةٍ …
تركت‘ هلعي فوقَ سبطاناتِ البنادقِِ
وجزئياتِ الحلمِِ
فأرختْ للجروحِِ بلاغاتِها
لأنني لمْ أرَ سوى بريقِِ الملحِِ ،
يتكئ‘ على أصابعي ..
وكلما رأيتكَ أقضم‘ صدأ الزمانِِ
أرتب‘ عظامَ الموتىَ
تنفرط‘ كلماتِي مثلَ عزفٍ بليل ٍ ..
وأنتَ …
يوم سلخوكَ من بقاياكَ ،
وأخرجوكَ من عقاربِ قانونِِ الوقتِ
خارجَ إطارِِ الساعةِ
أبكاكَ الوقت‘ مثلَ عويلِ الراجماتِ
مثلَ شظايا تدنو مني / تلملم‘ فوضَايَ
وتلقيها فوقَ ناقلاتِ الجنودِ المجنزرةِ
كما ‘تلقى الرسائل‘ في محطاتِ البريدِ
والتوسلاتِ …
في براميلِِ القمامةِ
مثلكَ أيها الورق‘ الشاحب‘ في دفترِ ذكرى
أتلو سيرتي الرخيصةَ
أو..
مثلكَ أيها الغارق‘ في الغياب
يومَ طردوكَ من جنةِ الخرابِ
حاصروكَ بالأسلاكِ الشائخةِ
ومدافعِِ الهاونِِ و.. أر.. بي..جي 7
برطوباتٍ تضج‘ بعزلتكَ
في (الفتحةِ) أو …
فوقَ (كودو) (2) ليس لك متسع للوقت
حيث‘ وخزات‘ الـ 106 الساخنة‘
عندَ لفةِ (كَرْدَمَندْ) (3)
أو …
فوقَ نقالةِ الأسماء ِ
‘جرحاً بارداً ..
‘جرحاً ما زالَ ‘يلملم‘ خيباتهِ
في مستشفى (ديانا) (4)
ما زالَ ‘يلقن‘ الأصدقاءَ الكذابينَ
والشعراءَ الملوثينَ بالقصائدِ
درساً في الأرقِِ الموبوءِ
الساقطِ في …
أرخبيلاتِ ومتاهاتِ القحط ِ
هوامش
(1) اسماء لاديرة قديمة في محافظة نينوى في العراق .
(2) و(3) اسماء جبال تقع في شمال العراق ، منطقة حاج عمران.
ومضات خافتة
(1)
(إلى أبى)
كانَ ‘يرَمِم‘ أشلاءَ حديقتنا
كلَ مساءٍ
يفرز‘ منها الدغلَ ..
‘يرتبها حسبَ هواه‘
لمْ يدرِ أن هناكَ صحراءً كبرى ..
تنتظرنا
وان العساكرَ تخبئ‘ خلفَ حديقتنا
ألماً وذكرى
(2)
(إلى عماد)
كان عليهِ أن ينسى أسفارَ غزواتهِ
لكنه‘ كتبَ سيرتَه الذاتية
وتركها دونَ أن تكتملَ
على مساطبِ الذكرياتِ
(3)
(إلى كريم)
كتبَ سطراً آخرَ
لمْ يعلمَ انه‘ قد شارفَ
على السفرِ الأبدي
فتركَ حقيبته‘ مليئةً بالكلماتِ
(4)
(إلي أمي)
لأني أراكِ نافذةً
أطل‘ منها إليكِ
تتزاحم‘ فيها المسافات‘
تتمحور‘ الأيام‘
تفلت‘ من دائرةِ الجذبِ
فتشع‘ على جبينكِ ومضات خافتة
بيان غير رسمي
لموت معلن
(الكتابة بلغة واضحة عمل صعب )
أرنست همنغواي
بيان آدم ..
مقطع‘ لغناءٍ قديمٍٍ
قدمَ الكونِِ
إحالة‘ لأزمنةٍ لمْ تبدأ بعد
الكون‘ قصائد‘ متتناثرة
غابة للممكنِِ ..
ساحة‘ للمستحيلِِ
الممكن‘ إطارات مثقوبة‘ مازلتْ تترنح‘ ،
منْ ثقلِ خطيئتِنا الأصليةِ
لكن خطيئَتنا ما زالتْ تحمل‘ ضجيجَ
البهجةِ والحكمةِ
وتزرع‘ الأدغالَ في سترةِ الندمِِ
* * *
عندمَا أردتَ أن تكتبَ مقدمةَ لحربٍ
عفواً.. لموتٍ معلنٍٍ
وقرأتَ الإعلانَ على أعمدةِ الصحفِ
أو في مداخل شركاتِ دفن الموتى :
" أقصِدْ شركتنا عندما تريد‘ أنْ
ترقدَ في قبركَ مرتاحاً "
أو " نشيع‘ جثمانكَ تشيعاً محتشماً "
أو " لدينا كافة أنواعِِ النعوشِِ وتزيينها ،
ونرتل‘ على ‘جثتكَ أية إنشودة تهواها ،
فهنيئا لكَ إنْ ‘متَ عندنا "
هنا ..
انتفضتِ البيانات‘ من ثقل الخسائرِِ
وهرب الموت‘ إلي الأرضِِ الحرام ِ
لأنه‘ لمْ يَستطعْ أنْ يَخدشَ حياءَ اللغةِ
فدخلَ في سجل الحياةِ
مثقلاً بالسلاسل ِ
ظلال المعاني
تتراشق‘ الشفاه‘ بأكداس العناقِِ
تعبئ‘ مصائرها أمامَ رغبةٍ
لا ترفرف‘ أوراقها ..
وعندما سقطتْ ظِلالها
تركتْ شكوكَ فوضاها
مثلَ جثةٍ تائهةٍ ، طاشتْ سهامها
قضمتها سيول‘ الصمتِ