قصص قصيرة
صدى
يأتون ويذهبون هكذا ، أغنية الحياة الازلية ، من التراب الى الثلج .. كانت واقفة امام النافذة تتأمل الوادي والجبل المعمم بقبعة من الثلج البض البكر . كل شيء في الغرفة كان يفصح عن أحاسيس المرأة ، المصباح الواني ، الفراش المسفوح ، الاواني الملتمعة ، .. ووجهها . تذكرت كلمات أغنية قديمة .
عندما تغطى الثلوج قمم الجبال ويهبط الليل ، الليل الابيض ..
يتناجى العشاق .. وتدندن الاغصان العارية بالاغاني الاليفة..
يأتي فارسك الثلجي على صهوة القمر الفضي ..
الفراش اكتوى بالنوى ، أمس موحشا يصطلي بالرغبة لعناق جسده المسكون بالثلج البض الدافئ ..
(( في المرة الاولى جلب جوزا وبلوطا وزعرورا ، وأشياء اخرى ، كان يضحك وهو يحدثها عن الجبل والثلج والدببة التي تخطف الرجال الى غيران قصية في قمم رهيبة ، كانت تهيم في رنات صوته وهي تتأمله ، ورويدا رويدا كان صوته يغيب في فضاء الغرفة ، ولا تفقه بعدها سوى انفتاح وانغلاق شفتيه الناريتين ))
صدى الاغنية يتسرب الى حناياها سياطا تلهبها فتحس أن الاشياء تستحيل الى نار ذات أسنة برتقالية .
ويهبط الليل ، الليل الابيض …
تتحرك أصابعها تبحث في طيات جسدها القابع تحت الثوب عن الاماكن التي حرثها فيه …
(( في المرة الثانية عندما أتى ، لم يتكلم البته ، حملها بين يديه بصمت ، صمت صاخب بالحركة والقاها على الفراش .. ))
لو يأتي الان … !
سرت الكلمات في الغرفة كمواء مبتور لقط جبلي ثم تلاشت … لاشيء سوى جبل شاهق ينام بوداعة تحت طيات الثلج، وليل كئيب أبيض يغفو ببلادة في الوادي العميق وصدى أغنية قديمة..
يأتي فارسك الثلجي على صهوة القمر الفضي .
الثلـج
تغوص قدماه في طيات الثلج المنفرش على امتداد الارض حوله ، يتوقف ويلتقط أنفاسه المتهدجة . ينزل الجسد الممدد على كتفيه وينيمه برفق فوق الثلج فيتشكل متخذا وضع المسدس ، يفرك الرجل أذنيه المتصلبتين بكفيه فتسرى فيهما حياة دبيبة ، يشعر بتخدر لذيذ فيغمض عينيه ويغرق في غرفة موصدة الابواب وقد نبتت في جدرانها مدافيء تهمي بنيرانها وتشيع حرارة يافعة في جسده المكدود . يخزر رفيقه الممدد الذي لاينم عن أية حركة سوى هبوط وصعود صدره فيهمس .
- لا بأس يا صاحبي ، لم يبق سوى تسلق هذا الجبل ونصل القرية .
الخطوات الاخيرة للوصول الى القمة ثم ينحدر نحو القرية النائمة بوداعة صبية مجدولة الضفائر على سفحه ، تذكر الزوجة الواقفة وراء النافذة ترشق السفح بنظرات زائغة فتملكه رغبة حامية في تسلق البقية نطأ مثل ماعز جبلي نزق ، الجسد الهامد على كتفيه سرت الحياة في خلاياه فأنشأ يئن ، وبعد حين شعر الرجل أن القمر أشرق في قبة السماء منيرا فضاء الجبل .
الخطوة الاخيرة … حسنا ها انت الان في القمة ، .. آه ، يا قريتي ها اني اغمر وجهي الاسيان في شعرك الليلى فدفئيني .. ولكنه حين قذف نظرة مذعورة الى المنحدر لم يجد الا الثلج المكدس ووادٍ سحيق ، فأحس ببرودة قاسية في عروقه وببطء أقعى ينظر القمر الذي بدأ نصفه المضاء بالاختفاء وراء سحابة رصاصية .
اندلق القمر ثانية يغسل الفضاء بنوره الفضي ، صحا من تأملاته على صوت واهن .
- هل وصلنا … ؟
- تقريبا
الاخر يتحرك ببطء شديد
- أحس بفقدان نصفي السفلي .
تمعن في الوادي المنبسط تحته وتسلقت نظراته تتفحص معالم الجبل الباسق أمامه ، التمعت عيناه وسرى الدم في عروقه، هتف .
- هيا .. تمدد على كتفي جيدا .. هكذا .. ، لكي تحس بالدفء ، ماذا تقول .. ؟ انك مقرور .. لا بأس لم يبق سوى تسلق هذا الجبل ثم ننحدر نحو القرية ..
القصيرة جداً … لماذا … ؟!
ترى – أواجه دوماً – ما الذي يدفعنا الى كتابة القصة القصيرة جدا … ؟ أهو العجز .. ؟ أم قصور في الاداة والمطاولة اللغوية ؟ أم هو الكسل ؟ ولم ظهر هذا اللون من الأدب ؟ وما فرقه عن القصة القصيرة … ؟
قد يقول قائل ان هذا اللون من الأدب قد برر وجوده لأننا في عصر السرعة والتكنولوجيا فيحتم إذن ان يولد أدب جديد يحاكى العصر وتحولاته ، وأن الوقت لم يعد يتسع لتصفح قصة قصيرة ، أو قصة طويلة ، أو رواية … قصيرة كانت أم طويلة . ورغم أن هذا الرأى فيه من الصحة الشيء النسبي اليسير ، الا أنى لست معه ، فالقصة القصيرة جدا ولادة طبيعية وصحية في أدبنا المعاصر ، وأن ولادتها مستقلة بكينونتها الخاصة . مع كونها امتدادا صميميا لفن القصة والرواية – تشرط علينا ان نرعاها ونحتفل بها ، لكي نتخلص من الاشكالات التي تصاحب كتابة القصة القصيرة مثل الاستطراد والاسترسال اللغوي غير المبرر في قصة لا يحمل بناؤها وحدثها كل هذا السيل من الكلمات ( أنا لا أعني أن نقوم مقام الخياط ونمسك المقص ونعمل نهشا في القصة القصيرة ونحيلها قسرا الى جمل وتعابير غير مرابطة يكتنفها الغموض والتفكك لتصبح – بالتالي – قصة قصيرة جداً ) . ل! ا … بل أعني فهم خصائص وبناء هذا اللون من الابداع ، من جزل في اللغة ، واقتصاد في السرد والتركيز والايحاء في الفكرة وشموليتها ، وابراز الجوانب المشرقة للعمل الابداعي ، وتبعا لهذا فأن القصة القصيرة جداً حالة انسانية – كالقصة والرواية والشعر واللوحة … الخ – ترصد دقائق الحيوات الانسانية في ضربة سريعة خاطفة ، وليست عجزا أو عكازا يتكئ عليه القاص ، كما أنها ليست صالة استراحة او محطة انتظار .
وأنا – كقاص – عندما شرعت بكتابة القصة القصيرة جداً لم اكتبها لشيء سوى تلبية لذلك الهاجس الذي يحلق بي عاليا الى عالم خاص وآخاذ ، كومضة برق ، أو قصف رعد ، أو تكون قطرة ماء أسفل حب ( بكسر الحاء ) وضمن حالة انسانية أعيشها بكل جوارحي ، وتنثال الكلمات عندئذ كقطرات المطر لتتشكل بالتالي قصة قصيرة جداً .
وفي هذه المحاولات حاولت أن أدخل ميدان هذا الفن ، عساي أن أوفق وحسبي أن أكون .
- لابد ان وراء هذا الرجل قصة … ؟
ثم مع نفسي
- لا أفقه ما يعتريني عندما أراه. شعور ليس بالعطف عليه، ولا السخرية منه، ربما كانت الرهبة، الرهبة مم.. !؟ ربما من سحر عينيه أو هيئته، أو من شيء آخر، لا أدري…
ومشيت ساعيا نحو مؤخرة الزقاق وصورته السرمدية تتجمع في ذاكرتي : قامة مديدة فارعة، وجه صارم أبدا، عينان واسعتان صقريتان، أنف مستقيم، شارب كث فضي، وجسد كدعائم الجسر الفولاذية الرابضة خلفه.
- ما حكاية هذا الرجل، وما سر التصاقه اللامحدود بدجلة ؟
$ $ $
صوت..
- سيفيض لا محالة.
صمت قصير يرين يقطعه صوت نسائي رقيق.
- أرأيتموه هذا الصباح؟ لم يتبق سوى نصف متر تقريبا ويصل الى الحافة الحديدية للجسر.
وصوت ينذر بخطر خفي..
- وان حدث وفاض فأن الميدان(1) هو الضحية الأولى. حي في الموصل
وصوته به رنة رجاء.
- ولكن الجيش والدفاع المدني والمنظمات الجماهيرية نزلت الى الشاطئ وأخذت تنشيء السدود الترابية.
وتذكرت بيتنا، أساس الحائط الخلفي يلامس باستحياء مياه الشاطئ التي تلطمه بعنف وقسوة في الأيام العاصفة… كنت في الأيام الربيعية المشمسة أضع كرسيا على شرفة الغرفة الخشبية المطلة على دجلة في حي الميدان، وأجلس أتامل النهر الرائع وهو ينساب بكل هدوء نحو دعائم الجسر والنوارس تحلق فوق الزوارق المتهادية على سطحه وفوق السماكين وهم ينشرون شباكهم ويغنون والنوارس فوق اجسادهم تصيء، كنت أهمس بوله..
- فردوس أرضي..
ثم تتعاقب في ذهني صورة نقيضة: السماكون واقفون يوجوم وعيونهم تعاين المويجات الهائجة، والنوارس تحلق عاليا هاربة نحو الغيوم الربابية والزوارق تتلاطم بصخب، فأهمس ملتاعا.
- ايمكن أن يتحول الفردوس الى جحيم؟
أنفض الفكرة من رأسي وأقوم متوكئا على سياج الغرفة الخشبي بنقوشه الموصلية الخلابة وأتأمل السماكين بسحنهم وسيقانهم المشعرة المكشوفة للشمس والريح وهم يعدلون من وضع شباكهم وأقول لنفسي:
- أية حياة رائعة يعيشها هؤلاء الناس.
ثم اغمغم.
- أية حياة رائعة تعيشها يا أبي.
وأصحو على صوت أعرفه يقول لي
- هيا يا أسعد
اقول له، والدهشة لما تزل تلجم حواسي
- أين… ؟
- قررت ادارة الجامعة أن تشترك في انشاء السدود.
$ $ $
فجأة رأيته أمامي…
كنت أهم بحمل أحد الأكياس الرملية عندما رأيت، وأنا منحنٍ، قدمين حافيتين متشققتين، جمدت يداي في موضعهما على طرفي الكيس وأخذت أرفع رأسي مستعرضا الجسد.. القدمان وخلفهما شريط من الماء المائج.. الساقان المشعرتان المنفرجتان وبينهما الشاطئ البعيد للنهر النزق، ثم لملمة دشداشته على فخذيه ووراءهما أغصان السرو والكالبتوس والاثل، ثم حزامه وأسفل سرته وخلفهما اوراق الاشجار المتشابكة.. صدره، ووراءه نهايات قمم الأشجار الباسقة، وأخيرا، رأسه بشعره المبعثر وخلفه سماء زرقاء تتخللها بضع غيوم رصاصية. كان وجهه في تلك اللحظة رؤوما الى درجة الذوبان، ابتسمت بوجهه ونبرت:
- مرحبا.
اجابني بهمهمة
- مرحبا.
وانفرجت شفتاه عن ابتسامة حيية، ثم تمتم ببضع كلمات، بصق في باطن كفيه وانحنى، رفع أحد الأكياس الرملية وهتف من بين اسنانه:
- هيا يا أسعد.
رددت لنفسي بذهول :
- يعرفني.
وقلت له :
- من أين تعرف اسمي… ؟!
تاه بصره في البعيد، أحسست بأنه انفصل عني تماما، وهمس بنبرة حزينة شفافة :
- كيف لا أعرفك، كنت في صباك تشبهها تماما.
قلت في دهشة أكبر :
- أشبه من.. ؟!!
وكأنه انتشل من عالم مسحور قال مرتبكا:
- لا شيء… لا شيء… هيا… هيا.
حملت كيسا ثانيا وأنا اعاينه مأخوذا، سحب شهيقا عميقا ثم زفره بقوة هائلة ورشقني بنظرة ثاقبة وهتف :
- تعجل يا أسعد، علينا أن نعارك النهر.
وخلال طريقنا اعدت عليه سؤالي :
- أشبه من… ؟!
جمدت اسارير وجهه وارتجفت شفتاه، خجلت من هذا الاقتحام غير المبرر ثم سمعته يهمس :
- هيا الوقت من ذهب.
- بالمناسبة ما اسمك الحقيقي ؟
- كل الناس تعرفه، أنت بالذات كنت تلاحقني وتصرخ بعبث طفولي حسين المجنون.. حسين المجنون ثم ترشقني مع اقرانك بالحجارة وتهربون الى عطفات الأزقة.
- وكنت تركض وراءنا.. ؟
- كان بودي أن أفعل وأمسكك أنت بالذات لكي أشبعك تقبيلا.
- تقبيلا.. ؟
قال مبتسما :
- لا تتصور كم كنت ولا زلت أحبك، كان بودي أن أحزّ صدري بمدية وأضعك بين جوانحي لكي تتوحد بي..
- لم بحق السماء.. ؟
- لأنك كنت تشبهها.
- اشبه من يا عم.. ؟!
وقبل أن تصدر عنه أية نأمة اقتحمتنا صرخة مدوية.
- انها تغرق…
نظرت اليه، لم اجده، وبعدها سمعت احدهم :
- لا فائدة، من يستطيع مقاومة التيار .
فتشت عنه بين الوجوه بيد اني لم اجده، وبغتة.. انبثق عن يساري فوق الاكياس وهو ينظر بعيون مجنونة نحو جسد الصبية ويهدر بصراخ كالزلزال :
- زينب..
وكانت امرأة في ميعة العمر تولول صارخة :
- هاجر…
والقى نفسه في دجلة، حسين المجنون كما يسمى، يجاهد ضد التيار، كانت المويجات المصطخبة تقذف الصبية بلا رحمة، والعم حسين يشق صفحة دجلة بعنفوان شبابي متوثب وهو يصرخ :
- زينب..
وانطلق بقفزة هائلة ثم انغمر في اللجة كالسهم، صاح الرجال:
- لن يخرج.
ابتهلت بحرارة
- يارب حقق مسعاه.
وخرج جنب هاجر، امسكها بيد واحدة وصار يسبح نحو الشاطئ بمظاهرة التيار بيده الثانية، وأخيرا وصل الى الشاطئ المحزّم بالاكياس.
هرع الرجال وتلقفوا الصبية ومددوها فوق الاكياس، فيما بقي هو في الماء على الشاطئ المائج، انحنى عليها بعضهم ثم رفعوا رؤوسهم آسفين وقال احدهم..
- لا حول ولا قوة إلا بالله..
صرخ كالرعد :
- مستحيل، زينب لن تموت..
واستقرت عيناه على وجهي، لوح لي بعينين مخضلتين بالدموع ثم حولهما نحو السماء وهمس كصوفي متيم :
- زينب، ها اني راحل اليك.
تلقفه الماء وهو ساكن، جرفه التيار الى وسط النهر وهو كالقشة لا يتحرك، قفزت فوق الأكياس واشرأبت بعنقي، كانت اعماق النهر تناديه بالحاح وأخيرا، تحت الجسر رفع ذراعه ملوحا، صرخت :
- عمي حسين..
اخذت الذراع تتبع الجسد الساعي نحو القاع، صاح الناس :
- انتحر الرجل..
لهجت بصوت ثقب سكون الكون..
- لماذا… ؟
وانفجرت باكيا.
في المقهى جلست والحزن يعمم رأسي، كانت صورته ملتصقة في رأسي مثل شعرة سرمدية وهو يرمقني بعيون باكية، وداعا، لا ياعم.. لم اثرت الرحيل.. ؟ انهم يقولون عنك مجنون. ان في جمجمتك تفاصيل لم تبح بها… ، كان رأسي يدور، يسبح في بحر من التساؤلات والمرايا، وصورة مطربة عريقة تمتزج مع العقالات والسدارات ورؤوس حليقة وصوت مطربة شرقية ثاقبة الصوت، ضجيج، ضجيج، ضجيج، لا يا زينب، النهر، الغرق، الفيضان، نفثت دخان سيكارتي فتحلق أمامي كلغز غامض، انتبهت جيدا الى قرويين يجلسان قبالتي، كان الأول يقول بحزن :
- ألم تسمع الخبر يا حمد… ؟
- أي خبر… ؟
- غرق حسين الحمود.
قال الثاني مندهشا :
- غرق حسين الحمود.. !
أومأ الثاني برأسه. قلت مشاركا الحديث :
- اتقصد، الذي غرق هذه الظهيرة !
أجابت بنبرة محايدة :
- أجل…
قلت له بحرارة..
- هل تعرفه.. ؟
- انه من قريتي..
- من تكون زينب ؟
اغتسل وجهه بدفقه من حزن نبيل ثم قال :
- يبدو انك تعرف عنه أشياء كثيرة.
- كان صديقي .
وبغتة سألني :
- هل تظن انه كان مجنونا.. ؟
- لا اعتقد، انما هناك شيء كان يؤرقه كثيرا.
وبعد وقفة قصيرة نبرت مؤكدا :
- اعتقد ان هذا الشيء كان امرأة.
- صحيح..
ثم قال وقد انفصل عن جو المقهى تماما..
كنت جالسا اراقب قطيع الأغنام النائمة بوداعة، وأحرسه من الذئاب المنتشرة في الفلاة، وكان هدير دجلة الغاضب يصفع هدوء القرية عندما ناداني من خلل غلس الليل..
- أحمد..
- من… ؟
- أنا حسين..
- ما الأمر يا حسين ؟
وسمعت نبرته الحزينة قبل ان ينبثق جسده أمامي..