سواق بخديدا الدكتور سامي نوح كرومي
|
المدخل
المرحوم نوح شوفير بقلم ولده المرحوم الدكتور سامي نوح كرومي اصل كلمة شوفير شوفير تعني سائق واطلقت على من امتهن مهنة السياقة مثل نوح شوفير ويعقوب شوفير رحمهما الله وغيرهما والكلمة بالاصل فرنسية وتعني من يقوم بعملية الاحماء والتسخين وتطلق على من يقود المركبات وقد انتقلت اليهم ممن كانوا يقودون القطارات البخارية .ايام كانت المراجل تلقم بالفحم باستمرار للحصول على الطاقة البخارية التي تتحول بدورها في المحركات البخارية الى طاقة ميكانيكية تسير القاطرة التي تسحب خلفها القطار . فالكلمة لا تعني شيئا اخر وانا كنت احس ان الناس بحضوري كانت تتجنب ان تقول نوح شوفير معتقدين انها سبة وهي ليست الا سائق والحقيقة انها لا تعني الا من يقوم بعملية تسخين المراجل لتشمل بعدذ\ من يقود المركبات التي ليس فيها لا مراجل ولا بخار. وقد ترك الناس استعمالها في الجيل الثاني ربما لان السائق لم يكن يعرف معناها وربما كان يعتقدها كلمة غير لطيفة ولذلك نجد ان السواق ما بعد نوح شوفير ويعقوب شوفير احتفظوا باسمائهم واحيانا كان تضاف بعض الاسماء للتميز عند تشابه الاسماء فمثلا كان هناك اكثر من يعقوب للتمييز مثلا يعقوب زغار نادرا ما كان يسمى باسم ابيه لانه كان قد تزوج من السيدة سلمى فغلب على تسميته يعقوب سلمى في حين بقي المرحوم يعقوب زوكي محتفظا باسمه .والمرحوم ايوب بنور والمرحوم سركيس باباوي والمرحوم شمعون بهنو والاخرين احتفظوا باسمائهم على الاغلب. والداه واخوته
وبالنسبة لنوح شوفير والده هو كرومي يسي بنو وكان يطلق عليه كرومي حانا لان امه حانا كانت من بيت ددو وكانت ذات شخصية قوية فغلب اسم الام على اسم الاب . حتى اني عندما قلت اننا من عائلة بنو وان عائلة ددو هم اخوالنا الذين نعتز بهم جدا تعرضت الى تقريع شديد وزعل من المرحوم نوح ددو وفي حينه صُورت له الامور ربما بشكل حُمل ما لا يحتمل وعندما كان يلومني بزعل شديد كنت اقنعه ببديهية انني ادعوه خالي ولا ادعوه عمي والحمد لله زال سوء الفهم حينها . من شدة الرابطة التي كانت ترتبط والده باخواله اعتقد الناس انه من بيت ددو وذلك يشرفنا ولكنه ليس صحيحا وكان الخال داوود ددو رحمه الله وهو احد اعيان بخديدا المعدودين الذين كان لهم ديوان وتقدم فيه القهوة للضيوف في المجلس وكان من ضمن وفد الاعيان الذي سافر الى الباب العالي لحضور محكمة عقارات بخديدا التي كان يريد الاستيلاء عليها المرحوم الحاج محمد النجفي وفشل امام اصرار وتكاتف اهل بخديدا وايضا لانه حقهم و كان باطلا ادعاء المرحوم الحاج محمد وموضوع الحاج محمد يصلح كتابا وليس موضوعا ولكن الامور اختلفت بمجئ اولاده واحفاده الذين كانوا اكثر حرصا على حفظ علاقات طيبة مع اهل بخديدا والان الماء ياتي من بلاوات الامر الذي كان مستحيلا لو كان الحجي محمد رحمه الله موجودا .. امه نجمة وكانت تدعى مريم وهي موصلية وتتشابك القرابة وتصل الى تلكيف وكان الكثير من الزواجات تتم بين اهل برة واهل جوة أي بين اهل داخل الموصل وخارجها . اما عائلته فكانت متكونه من اخ واحد واختين هم منصور (مسي) ابن كرومي حانا رحمه الله واخواته زريفة زوجة توما عيسو ومنيرة زوجة وديع شراق . ملاحظة ان الكل قد ماتو وارجو ان لا اكون مضطرا كل مرة ان اقول رحمه الله فانا اطلب الرحمة للمتوفين وللاحياء ايضا .لقد كان نوح شوفير كما عرفته وكما عرفه الناس جميعا رجلا هادئا مسالما طيبا مسامحا وانا كابنه اعرف صفات طيبة اكثر فيه ولكن ساتقيد بما يقوله الناس وليس بما اعرفه انا رغم ان التوثيق والتاريخ يجب ان يستند الى الحقائق وليس الى ما يقول الناس . لقد كان في اوراقه الرسمية مولودا عام 1908 اما سجلات العماذ في الكنيسة فتظهر انه عمذ في عام 1902 وكان يقرا ويكتب وكانت لديه كتب نادرة ومجلدات سناتي الى ذكرها في حينه . تعلم مهنة السياقة في الموصل ورقم اجازته كان( 80 موصل) ولم تكن لديه مخالفات لان لم تكن هناك شوارع ولا علامات مرورية بمعنى الكلمة ولم يدهس احدا طيلة حياته ولكن تعرض الى حادث انقلاب سيارة متعمد سيكون مناسبة للتوقف عنده ومن اهم محطات حياته تعرضه للاصابة بمرض خطير في حينه كتب له الشفاء في ما يشبه المعجزة لان مرضه كان لا يشفى منه . وسناتي تباعا على هذه الامور وعلاقاته المختلفة وساحاول الاختصار قدر الامكان ولكن ليس على حساب حذف المعلومة .وسالتقيكم اخواني كلما جهزت كمية معقولة من المعلومات وبعضها يحتاج الى استشارة مصادر اخرى او افراد اخرين في العائلة . وانني لا اكتب لكي احسن صورة نوح شوفير عند الناس قهو لا يحتاج الى كلماتي لان افعاله كانت امام مراى الجميع وطيبته ومسالمته وتسامحه كان يشهد له به حتى الكارهين الذين لا يرضون حتى عن الانبياء لعلة فيهم وليس في مقابلهم وساتكلم في الفصل التالي عن اول سني شبابه واصدقائه وبعضها كان قبل ان اولد فانقله كراوي والبعض عايشته فسانقله كشاهد عيان . فالى اللقاء في الفصل القادم . الفصل الاول نشأ نوح شوفير بين اخوته وكان ترتيبه الثالث في عائلة متوازنة كانت والدته تتحمل اعباء البيت بعد وفاة والده في وقت مبكر وكانت تنسج في الدار بالة نسيج يدوية وكان اخوه الاكبر منصور يحبه كما لم يحب اخ اخاه وكان يفضله على نفسه كان الاب والاخ وكانت طباع منصورتختلف عن طباع اخيه لقد كان صريحا جدا ومبدئيا وسريع الغضب والانفعال اذا تعرض اخاه الى ما يكرهه. كانت العائلة تسكن بجوار اعمامها من جهة ( ايشوع بنو ومتي قطاي) واخوالها من جهة اخرى ( بيت ددو) وكان الدار قرب قنطرة بيت اينا وهي اشهر مَعلَم في بخديدا. كان يجوارنا ايضا بيت المرحوم كريم نعمان قبل ان يبيعوه وينتقلوا الى دارهم الجديد ومن بين جيراننا بيت عرمان وبيت يونان وبيت ابو عيشة ( بهنام حيصا) .
قنطرة بيت اينا (وقعت مؤخرا) تزوج نوح شوفير من ابنة كرومي حلاتة زريفة اخت هادي حلاتة والياس حلاتة واختها هدية حلاتة وكانت اصغر اخواتها توفيت امها وعمرها اربع سنوات وكانت رحمها الله من مواليد عام 1918 وولدت في اليوم الذي هرب اهل بخديدا الى كرمليس وبرطلة خوفا من العثمانيين الذين انسحبوا خاسرين امام الجيش الانكليزي الذي كان يتقدم من الجنوب باتجاه الشمال . كانت زريفة حلاتة ذكية جدا احبت اخوتها الى حد لا يتصوره انسان وكان والدها كرومي عبدالله حلاتا عارفا في الخيول وفي اصولها وانسابها وكان الخبير الذي يقصده من يريد ان يشتري فرسا ليعرضه عليه ويعرف رايه فيه وانتقلت هذه الصفة الى ولديه وخاصة هادي والى ابنه الياس حلاته ولكن بكم اقل بكثير مما كان لدى والده كان رجلا حنونا عطوفا توفيت زوجته مريم حبش ( اخت متي حبش شهيد بخديدا الخالد) عام 1922 ولم يتزوج عليها وعندما تزوج كانت هناك قصة جميلة ستكون موضوعا ساحكيه عندما اتكلم عن الشهيد متي حبش في كلمة منفصلة .لقد كانت اختها هدية (زوجة منصور عبا جدة القس يوسف عبا) بمثابة امها بعد ان تيتمت بعمر اربع سنوات . وكانت لا تحب في الدنيا احدا اكثر منها سوى شقيقها هادي حلاته (والد عبو حلاتة) الذي توفي في حوالي سنة 1940 اثر تسممه بالكزاز بعد اصابته بجرح من ضربة سكين عشوائية لقصاب كان يضرب كلبا يريد ان يسرق لحما من القصاب فاصابت سكين القصاب يده وجرح بها وتلوث الجرح وادى الى وفاته . كانت تتحسر كلما ذكرته ولم تنسه طيلة حياتها . وانتقلت هذه المشاعر الى اولادها بحيث اننا احببناه ولم نره فقد توفي قبل ان نولد. كانت اخته زريفة رحوما بهم فاحتضنتهم لانهم ايتام وقد توفيت امهم بعد فترة قصيرة من وفاة ابيهم. اما اختها هدية فقد توفيت قبل زواج اختها وكان لها ابنان وبنت اكبرهم عبو عبا والد القس يوسف عبا الذي تزوج من سيدي القس توما الانسانة الرائعة التي ملات الفراغ الذي تركته ام زوجها في حياة والدتي فكانت بحق اختها البديلة .. ونوح شوفير الذي تزوج زريفة حلاتة كان حينها يشار اليه بالبنان فكان نوح هو الذي ينقل المريض الى المستشفى والمراة التي تتعسر ولادتها ايضا وينقل المسافر الى الموصل وينقل الخبز الى طلاب بخديدا في الموصل والذي كان اهاليهم يرسلوه لهم لتقليل مصاريفهم فلم يكن هناك رخاء وكان الناس يعتاشون على الزراعة والمهن اليدوية وما اكثرها في بخديدا ولذلك كان الاهل يبعثون خبز الرقاق الى اولادهم توفيرا لشرائه من السوق وكان نوح شوفير وغيره من السواق اسوة به يقومون بنقل الصناديق المليئة بالخبز ويعودون بالصناديق الفارغة الى ذويهم وكان ذلك مجانا وبطيب خاطر ولا يتحرج الطالب او اهله من ان يكلف عمه نوح بهذا العمل . ممن كانوا يحتاجون الى خدماته ايضا المطران جرجس دلال رحم الله ترابه المقدس والماسيرات ومركز الشرطة ودوائر الحكومة والذين كانوا يطمحون ان يمتهنوا هذه المهنة وكانوا عديدين وكانوا اوفياء لمعلمهم . كان نوح شوفير في وقته رجلا عصريا بمعنى الكلمة فهو يقرا ويكتب العربية والسريانية وكان شماسا (مكتف) ولكنه كان ذواقا للفن والجمال .كان يعرف ما هي الموسيقى وكان يمتلك جهاز الحاكي الذي ينصب بعتلة يدوية وتوضع الاسطوانة في مكانها وينطلق الصوت من البوق الذي كان يضخم الصوت لكي يكون مسموعا وكان احب المطربين الى قلبه محمد عبد الوهاب وكان هناك اسطوانات لمغنين لم نعد نسمع باسمهم منذ زمن طويل واذكر منهم ( حسن كاش) ، وكان له مجموعة من الاصدقاء الذين تشابهت طباعهم وملات المحبة قلوبهم الى الحد الذي تجاوزوا ما يعرف عن الاصدقاء الذين لا يرون بعضهم الا مصادفة الى اخوة يلتقون يوميا تقريبا في دار احدهم وهم في اقصى حالات الانسجام الاخوي الذي دام وانتقل بعدئذ الى اولادهم واذكر منهم : كتا عبللي ، مجيد دديزا ، ناصر ككي ، ميخا شمعون ، يعقوب موميكا (المختار فيما بعد)، فرج ككي ، بهنام حداد ، خليل السمعاني (موظف صحي من اهل بعشيقة). ومن الجهة الاخرى كان له بمثابة الاخ كل من حنا عبدالله و يعقوب شوفير وبوقا ابو مجيد ويعقوب كلكوان، وبطرس جميل والد الاستاذ نوح جميل وربما يكون ابوه قد سماه بهذا الاسم حبا بابي . هذه المجموعة بقيت هكذا سنين طوال ولم اسمع ان مشكلة حصلت بين اثنين فيهم بل كان كل ما يظهر على السطح منتهى الانسجام والمحبة الاخوية وبدون مصالح لقد كان انسجاما روحيا بين هؤلاء وانا متاكد ان اولادهم يحملون ايضا نفس المشاعر التي نحملها نحن تجاه اعمامنا هؤلاء . .لقد اقبلت الدنيا عليه في اول شبابه واثرى وانهالت عليه عروض الشراكات وكان خاسرا فيها جميعا لانه كان طيبا وكريما واكبر خساراته كانت مع متي موميكا ( متي حوان) وبولص سكريا . واكبر ربحه لم يكن في المال ولكن في الحب الذي كان في قلوب اصدقائه هؤلاء الذين ذكرتهم والناس الاخرين الذين خدمهم وساعدهم بدون تافف او تذمر . ولم اسمع ابي ينطق مسبة او شتيمة طيلة حياتي وكان مربيا رائعا لم يضربني يوما ولم يضرب اخوتي وساتي على ذكر كثير من الامور واعتقد انها ضرورية لان الناس رات نوح شوفير خارج بيته وانا رايته داخل هذا البيت وكنت احد الشخوص الذين عاشوا تفاصيلا لا يعرفها احد خارج عائلته .
المطران دلال
ساحاول ان اضع السرد القادم على شكل عناوين مثلا نوح شوفير والمطران دلال واسرد ما يخص هذا العنوان وهكذا بتجميع هذه الحكايات الصغيرة ستتشكل الفكرة العامة وستكون اكثر وضوحا ودقة . فالى الفصل القادم استودعكم والى اللقاء قريبا باذنه تعالى .
الفصل الثاني نوح شوفير وحنا عبدالله والقس ميخائيل مراد ( قاشا نخرايا) حنا عبدالله كان تاجرا وثريا وربما اثرى اثرياء بخديدا وكان يعمل في البقالة والتي كانت اشبه بالتجارة لانه كان يبيع لبخديدا وما جاورها وكان يحتاج الى نوح شوفير من اجل التسوق المستمر الذي كان شبه يومي وكان معجبا بالعثمانيين واهم ما يميزه شاربان طويلان كثيفانمدببان في نهايتيهما مسحوبان افقيا الى الخاج وبلون الثلج كان على علاقة بالقس ميخائيل مراد وكان ليس من اهالي بخديدا ولذلك كان يغلب على تسميته ( قاشا نخرايا ) وكان مسؤولا عن تربية ابنه ( ملكو ) الذي كان قد اتعب والده لانه لم يكن منضبطا وكان حنا عبدالله صرافا لهذا القس حصرا الذي كان يحتكم على كمية كبيرة من الليرات الذهبية وهي العملة السائدة والتي يُعتمد عليها وكان حنا عبدالله ياتي بهذه الليرات ويسلمها لوالدي لكي يقوم بتصريفها له في الموصل هذا اذا لم يشأ الاحتفاظ بها لانه كان يجمع الليرات وقد جمع منها ملء صفيحتين معدنيتيين وكان قد دفنها في السرداب في بيته ولم يكن يعلم احد بامرها واخبرنا بذلك بعد ان فقدها حيث نزل في احد الايام ليتفقدها فلم يجدها . وكانت عائلته صغيرة جدا كانت له زوجة ولم يرزق باطفال ولم ينسجم مع زوجته فانفصلا ولم يتزوج أي منهما وكان حنا عبالله يسكن معه اخوه (قُُطّا)وعائلة اخيه تسهر على راحته . وكان قاشا نخرايا ارمنيا لاجئا الى بخديدا من اضطهاد الاتراك للارمن ولم تكن مجازر الارمن في ديار بكر وماردين والجزيرة في تركيا قد مر عليها زمنا طويلا وكان يعيش بما استطاع ان يجلبه معه من الليرات الذهب وكان ياكلها تدريجيا وبما انها لم تكن تعوّض فقد نضبت وقام نوح شوفير وحنا عبدالله بمد يد العون له فقد عرفا ان لم يبق له شيئا يصرفه .وابت نفسه العزيزة ان يتقبل عطاءهما دون مقابل وكان قد شاخ وتقدم به العمر وكانت له كتب دينية ونشرات اتذكر اسماءها الى الان وكان بعض تلك الكتب ممنوعا علينا من بين ما اذكر مجلات نشرة الاحد مجلدات ضخمة وقرات فيهما المناظرة بين المرحوم الخوري بهنام دنحا والاديب المرحوم ابراهيم عيسو حول تسمية ناقرتايا . كما قرات للاديب باهو عيسو عدة حلقات من مقالة بعنوان قرة قوش والكثلكة . وكانت هذه المجلات تحوي قصصا مترجمة رائعة ومشوقة كنت احرص ان احافظ عليها واعيده الى مكانها كل مرة انتهي من قراءتها . ومن الكتب التي منع والدي قراءتها علينا كتابين الاول هو كتاب اللاهوت لانه كان يعالج امورا فوق قدرتنا العقلية هكذا قال لنا ابي . اما الكتاب الثاني فكان اسمه حوادث ما بين النهرين وكان يحكي مجزرة الارمن في نهاية القرن التاسع عشر و اوائل القرن الماضي في تركيا في ديار بكر وماردين والجزيرة وكانت حكاياته تقشعر لها الابدان من دفن الرجال احياء الى شق بطون الحوامل واخراج الجنين وقطع رقبته ثم قطع رقبة امه .لقد كان كتابا مؤثرا جدا ولم يسمح لي والدي بقراءته الى ان تخرجت من دار المعلمين الابتدائية وكان عمري ثمان عشرة سنة .وسالت ابي بعد ان قرات الكتاب ،لماذا كان ممنوعا علينا يا ابي قراءة الكتاب الى الان ؟ اجابني لانكم عندما تكونون صغارا وتقرؤون هذا الكتاب فسيتولد في انفسكم حقد تجاه كل ما هو مسلم ونحن نعيش في مجتمع مسلم في المدرسة والشارع وهذه الصور الفظيعة لا بد ان ترتسم في الذهن ويختزنها العقل وتربي الكراهية تجاه الاخرين وهو ما لا يجب ان يكون لان ديننا هو دين المحبة والتسامح والمسيح قال لتلامذته ان علامتكم التي تتميزون بها عن الاخرين هي المحبة وان تحبون من يكرهكم ايضا لان الكل يحب من يحبه ولكن المسيحي هو الوحيد الذي يجب ان يحب من يكرهه ايضا ، ولذلك عندما كنتم صغارا لم تكونوا قادرين على استيعاب هذه المعاني اما الان فان قراءته بعد ان ترسخت الاخلاق المسيحية في تربيتكم تكون قراءته امينة وليس فيها مخاطر على نظرتكم الى الاشخاص الذين يعتنقون دين هؤلاء المجرمين . (هذا الكتاب استعاره مني احد المعلمين في برطلة منذ اكثر من ثلاثين سنة وطالبته ان يرده لي اكثر من مرة كان اخرها في الاسبوع الماضي الا انه انكره علي ). لهذا السبب قلت ان والدي كان مربيا رائعا وكان ابي في ليالي الشتاء يخرج لنا احد الكتب غير المدرسية وكان يريد منا ان نقرا له كل منا مقطعا ولذلك ربى عندي ملكة القراءة والاهتمام بها . وهذا ما كنت افعله في الصيف وقد تبددت هذه الكتب مع الوقت لانني تنقلت في حياتي عدة مرات بين الموصل وقره قوش وبرطلة وبغداد وحتى خارج العراق وفي كل مرة كنت افقد عددا منها . ان الفضل الاول في احترام العلم والثقافة والسعي في طلبها يعود الى والدي وايضا الى معلمينا المربين في المدرسة وكانوا جيلا متمكنا رحم الله من مات منهم وامد في عمر من بقي .لقد كانوا جميعا ممتازين الى الحد الذي لا يمكن المفاضلة بينهم وكانوا مثل الورود لكل منها رائحة ولون تميزه عن الاخرين وكان والدي يتابع مستوانا واهتمامنا بالدراسة رغم تعبه ومشاغله الحياتية ولم اشعر يوما ان ابي كان قاسيا علي وليس من المعقول ان طفلا لا يرتكب خطأ في طفولته ولكن والحق يقال كانت والدتي تعالج كل الامور قبل وصوله مساءا الى الدار وايا كان حجم المشكلة فبمجرد ان تهددنا انها ستحكي له عندما ياتي كان كفيلا بحلها لاننا كنا نريده راضيا علينا دائما او على الاقل هكذا كنت اريد انا .اما مكانه التي يجلس عليها فلا احد يجلس عليها في غيابه لقد كان لها نوع من الرهبة والقدسبة وكنا اذا تكلمنا بحضوره انا واخي الاكبر مثلا فبصوت منخفض وفي الغالب كنا نجلس حوله ونسمع اكثر مما نتكلم وكان في المساء يسمع الراديو الذي لم يكن منه سوى اثنان او ثلاثة في كل قره قوش وكان صوته يجلجل في الليل صيفا وكان الراديو صندوقا خشبيا يحتوي على الدوائر الالكترونية في فجر عصر الالكترونيات وكان يعمل على بطارية السيارة التي كانت تجلبها اختي الكبيرة من السيارة حيث كان يوقفها في فناء دار المرحوم يعقوب شوفير والذي كان قريبا الى مركز الشرطة القديم . وفي الصباح كانت البطارية تعاد الى السيارة ليس لتشغيل السيارة بل لكي تشحن للمساء وبالطبع فان السيارة التي كان فيها بطارية تكون ضرورية لتوليد الشرارة اللازمة لاشتغال المحرك والبطارية لم تكن موجودة منذ البداية في السيارات فقبل البطارية كان هناك ما كان يدعى بالماكنيت الذي يستعمل لتوليد الشرارة وهذه كانت الموديلات القديمة حين كانت اطارات السيارات خشبية مثل عجلات عربات الخيول وانا لم ار سيارة باطارات خشبية ولكن اخي الاكبر يقول انه راها .لقد كان ابي يمنعنا من التقرب الى السيارة وكان جاد في ذلك اكثر من أي شئ اخر لقد قال انه كان يمنعنا من الاقتراب من السيارة لانه لا يريد ان نتولع بها ونلتهي عن دراستنا ونمتهن السياقة فكان اكره شئ الى نفسه ان نمتهن هذه المهنة . كان يميل الى ان نكمل دراستنا بل ويشجع على ذلك وكان ينظر الى اهمية التعلم للولد والبنت على حد سواء ولذلك سافرت اختي مع اخي الاكبر الى الموصل لاكمال الدراسة التي كانت تنتهي في بخديدا بالابتدائية وقد التحقت بهما بعد سنتين اذ كانا يسبقاني بسنتين . ولقد كان دور كتب القس ميخائيل مراد سببا في زيادة اطلاعنا فانا لم اكن اعرف ان الكثلكة مثلا دخلت قرة قوش قبل حوالي ثلاثة او اربعة قرون وان عائلة آل باباوي هي العائلة الوحيدة التي لم تتحول الى الكثلكة وان بخديدا كانت قاطبة ارثودكس . وان الكنائس تم توزيعها على الطائفتين فيما بعد .وقبل قراءة مقالات المرحوم الاديب ابراهيم عيسو كنت اعتقد ان عائلة باباوي ليست من قره قوش ولكن هذا المفهوم زال لا بل تحول الى ان هذه العائلة هي العائلة الوحيدة التي حافظت على اصالتها وانتمائها للكنيسة الشرقية لقد كان ترتيبي بين اخوتي هو الرابع من مجموع ثمانية خمس بنات وثلاثة اولاد وكنا نسكن في دارنا الذي كان مقسوما الى قسمين قسم لنا وقسم لبيت عمي ولم تكن القسمة متساوية فكانت عائلة عمي اصغر وكان عمي يحب والدي كثيرا ولم يترك الدار الا بعد ان تزوج ابنه المرحوم متي ولم يعد يكفي للعائلتين . ان ابعد ما تذهب اليه ذاكرتي هو عام 1949-1950 وكان عمري عندها ثلاث سنوات واستطيع تحديد هذه التواريخ لانها مرتبطة باحداث معروفة التواريخ. اما صداقات والدي فقد سبقت هذا التاريخ بكثير اذ انها بدات قبل زواجه واستمرت الى فترة مرضه عام 1950.
الفصل الثالث نوح شوفير والمطران جرجس دلال والماسيرات
المطران دلال لقد كان المثلث الرحمة المطران جرجس دلال شخصية نادرة وفذة اليه يعود الفضل في استنهاض الهمم وتفجير الطاقات وبامكانات ذلك العصرالمتواضعة ان يبني اضخم كنيسة في العراق والشرق الاوسط في حينه وهي كنيسة الطاهرة العامرة بالمؤمنين .لقد كان بناء الكنيسة عرس مجد عظيم لاهالي قره قوش عموما واعيانها خصوصا وعلى قمة جبل هذا المجد كان المطران دلال .لا يمكن ذكر ه الا والكنيسة معه ولا يمكن ذكر الكنيسة بدون دلالها .لقد عرفت امورا كثيرة عن بناء الكنيسة من والدتي وكان موقعها التي لا يبعد سوى خطوات عن بيت اهلها فكانت تذكر احتفالات اكوار الجص منذ جلب احجاره من الجبل القريب مرورا بببنائها واحراقها ثم طحنها للحصول على مادة الجص المطحونة التي استعملت للبناء ولم يكن الاسمنت قد عرف بعد . لقد كانت تلهج بذكر المرحوم عبو قاشا ودوره الاساسي في كل شئ من التبرع بالمال الى تنظيم وجبات العمل الى العمل بنفسه الى التنسيق بين الموقع والادارة الكنسية لقد كان الرجل الثاني بعد او مع المطران دلال في اقامة هذا الصرح الشامخ الذي لا يعبر عن معلم ديني متميز وعظيم فقط بل الى ارادة احفاد رجال بنوا اكثر من حضارة في نينوى ونمرود وكالح وبابل .انهم ابناء بخديدا الذين ظلت جينات اولئك الاجداد تنتقل اليهم جيلا بعد جيل . كان المطران جرجس دلال ياتي الى موقع العمل كل يوم احد ليقود بنفسه حملات العمل وكان نوح شوفير رفيقه من والى الموصل وبالمناسبة فان ابي كان لا يعمل يوم الاحد شان جميع اصحاب المهن الاخرى الا ان المطران دلال احل لابي العمل يوم الاحد لسبب انساني هو ان مريضا او احدا يحتاج اليه في هذا اليوم لانقاذ حياته فالاجر في تقديم خدمته اكبر من الاجر في تطبيق احدى وصايا الله العشر .ولهذا السببالغى والدي يوم استراحته الاسبوعي الذي صادف اليوم الذي كان يخصصه دلال للمجئ الى قره قوش ومعاينة تقدم العمل وحل ما يظهر من مشاكل وشحذ الهمم من جديد والمشاركة بيديه الطاهرتين بحمل الحجر مع العمال المتبرعين كان قائدا فريدا لشعب فريد . وفي احد الايام وكان البناء في الاسس قد وصل الى مستوى الارض كان ابي بجانبه فقال له نوح قم وامشي بسيارتك على الاسس لكي يقال للاجيال القادمة ان اسس الكنيسة قد مشت عليها سيارة كما لو كانت طريقا مبلطا لكي ياخذ الناس حينذاك فكرة عن عرضها وقام والدي فعلا وصعد بسيارته ودار فوق الاسس بسيارته ولم تكن سيارة صغيرة مثل سيارات هذا الزمان وبعد ان اكمل دورته حول محيط الاسس هذه عاد الى مكان انطلاقه . لم يكن يطب لدلال ان يكون العمل رتيبا مملا بصمت وهدوء ، كلا كان الفرح الغامر الذي يملا قلبه يدفعه الى اضفاء جو العرس على هذ الكرنفال فكان يرسل في طلب صارةعنانة ( والدة ابو عيشة ) جارتنا ليس للعمل ولكن لاطلاق الزغاريد الرنانة العالية التي كانت تزيد الحماس وينتشي دلال بسماعها وتتحول كرخانة العمل الى خلية نحل وحلبة سباق وحفلة عرس والبناء يصعد ويشمخ ودلال يزداد حبا في قلوب ابناء بخديدا ويحفر حبه في سويداء قلوبهم الحب الذي لم يندثر بعد موته بخمسين سنة رغم ان الكثيرين لم يروه . عندما بنيت كنيسة الطاهرة لم يكن يتجاوز عدد سكان قره قوش الخمسة الاف نفس وكان هناك عدة كنائس فيها واضاف اليها دلال هذه الكنيسة التي تستوعب وحدها كل اهالي قره قوش . وفي الخمسين سنة التي تلت تضاعف عدد سكان قره قوش عدة مرات وصارت الكنيسة لا تستوعب المؤمنين خاصة في المناسبات فكانت تمتلئ الساحة الخارجية بهم . اما الماسيرات فكان نوح شوفير يزورهم يوميا خاصة في الصيف ليحمل اليهم قالب الثلج الذي ياتيهم به من الموصل يوميا . وكان قد قطع عهدا على نفسه ان لا يتركهم يوما واحدا بدون هذه المادة الاساسية ولا استطيع ان اقول ان ذلك كان مجانا تماما ، لان الماسير هاري ولا اعرف ان كانت ما تزال على قيد الحياة كانت تعطيني كل العصافير التي كان يصيدها هر الماسيرات وكنت سعيدا جدا بهذه العصافير وعندما لا اذهب تاتي هي لتجلبها لي وكنت حينذاك بعمر صغير جدا قبل عام 1950 . الفصل الرابع نوح شوفير وعام 1950 حل عام 1950 على نوح شوفير حاملا معه كارثة كبيرة ومصيبة لا يفلت منها احد ان هي اصابته . منذ بداية |