لأعزائنا الصغار

رسامات

عيون بخديدا

Museum متحف

أرشيف الاخبار

فنانونا السريان أعلام

أرشيف الموضوعات

نمرود قاشا

بعيداً عن السياسة الرئيس عارف ... (القسم الأول)

صور ساسة عراقيون

نمرود قاشا

Namroud_kasha@yahoo.com

 

تناقلت وسائل الإعلام بهدوء وبدون زوبعة نبأ وفاة الرئيس العراقي عبد الرحمن محمد عارف عن عمر ناهز (91) عاماً بعيداً عن ارض الوطن، وذلك يوم السبت 25/آب/2007 توفي الرئيس عارف في مدينة الحسين الطبية في عمان/ الأردن.

نقل جثمانه إلى مقبرة شهداء الجيش العراقي في مدينة المفرق( الأردنية ) 60 كم شرق العاصمة عمان  ليوارى الثرى.

مات بصمت في الغربة، ودفن بدون المراسيم الرئاسية التي تصاحب جثمان القادة والرؤساء والعسكريين ذوي الرتب العالية، ممثلون عن الحكومة العراقية والأردنية صاحبوا أو تقدموا الموكب، ولولا العلم العراقي الذي غطى الجثمان والذي أعطاه الصفة الرسمية لكان حال (الرئيس) لا يختلف عن أي مواطن اعتيادي.

والرئيس عارف رغم قصر فترة حكمه إلا أن الفترة التي كان فيها على قمة هرم السلطة في العراق حملت العديد من الأحداث الساخنة ولا زالت ذاكرتي المتعبة تحمل بعضاً من هذه الأحداث التي كنت شاهد عيان أو لها في ذاكرتي بعض من الصور.

قد لا أتذكر التواريخ بشكل دقيق أو بعض المواقع ولكن تبقى هذه الصور في ذاكرتي .. وهذه بعض منها :

(1) عبد السلام عارف وحادثة الطائرة

عبد السلام محمد عارف، أول رئيس للجمهورية في العراق، لان موقع رئيس الجمهورية كان معلقاً بعد ثورة (14 تموز 1958) حيث كان الزعيم عبد الكريم قاسم رئيساً للوزراء وبقي المنصب شاغراً حتى انتهاء حكمه هذا بانقلاب عسكري في الثامن من شباط 1963. ومع هذا يمكن اعتبار (عبد السلام عارف) ثاني رئيس للجمهورية بعد عبد الكريم قاسم ..

عام 1966 كان (التلفزيون) لم يدخل بخد يدا بعد، لان الكهرباء أيضا لم تكن موجودة، لهذا كانت إذاعة (الجمهورية العراقية) من بغداد وإذاعة القوات المسلحة من بغداد والتي كانت تدار من وزارة الدفاع هي المصدر الوحيد والذي كان يعتمد عليه في التعرف على أخبار الوطن إضافة إلى بعض الإذاعات الأجنبية والتي كان اغلبها تقف مع الإعلام المعادي للعراق.

وعليه يبقى الانشداد لهذا الجهاز "الراديو" خاصة عندما يكون الحدث كبيراً، وإذا تعلق الأمر برئيس الدولة.

عبد السلام عارف بدأ بزيارة تفقدية إلى محافظة البصرة في العاشر من نيسان 1966 وكانت (القرنة) آخر منطقة زارها عارف قبل إن يلقي حتفه وأتذكر في حديثه مع أهل القرنة أو "الكرنه" كما يفضل إن يسميها أهلها، قال لهم: انتم مثل ما يكول المثل العامي، منين ما تميلون تغرفون) ويقصد بهذا كثرة المياه الموجودة بهذه المدينة بعد هذه الزيارة استقل طائرة الهيلوكبتر ولتسقط هذه الطائرة نتيجة عاصفة ترابية قوية، حسب ما نقلته وسائل الإعلام وقتها، قرية "النشوة" هي المكان الذي سقطت فيه. وبالمناسبة هذه القرية زرتها عام 1982 أثناء تواجد وحدتي العسكرية بالقرب منها أثناء الحرب العراقية الإيرانية. وفي حينها استفسرت من احد شيوخ هذه القرية عن المكان الذي سقطت فيه طائرة الرئيس عبد السلام محمد عارف فأشار بيده إلى مكان يقع جنوب القرية ويبتعد عنها بحدود خمسة مئة متر حيث قال هناك سقطت طائرة الرئيس ولا تزال لحد الآن بعض قطع الطائرة وحطامها موجود في هذا المكان.

النشوة قرية هي مجموعة عن بيوت طينية لا يتجاوز عددها الثلاثون بيتاً، قريبة من الحدود العراقية الإيرانية وهي تابعة لناحية الدير قضاء القرنة.

هذه المدينة (النشوة) أصبحت في حينه أشهر مدينة عراقية لكثرة ما تكرر اسمها في الإذاعة العراقية، وباقي الإذاعات.

13/نيسان/1966 توفي عبد السلام عارف، بحادث سقوط الطائرة في تلك الفترة سرت مقولة تقول: "صعد لحم ..نزل فحم" للإشارة إلى الحادثة بعد أن شغر منصب رئيس الجمهورية الذي تنافس عليه ثلاثة مرشحين هم:

1. اللواء المتقاعد عبد الرحمن محمد عارف شقيق الرئيس المتوفى.

2. عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء.

3. عبد العزيز العقيلي قائد الفرقة الأولى.

وبعد اخذ ورد كان النصيب الأوفر لشقيق الرئيس السابق وذلك عملاً بمقولة "خير خلف لخير سلف" وقد لا تنطبق هذه المقولة بالذات على هذا الحدث ولكن في وقتها وزعوا لنا وعلى مقاعد الدراسة الابتدائية كتاب أو كراس مجلل بالسواد مطرز بهذه العبارة. ويشرح بالتفصيل السيرة الذاتية للخلف والسلف.

(2) عبد الرحمن عارف رئاسة الجمهورية

عبد الرحمن محمد عارف، سياسي وعسكري، احد الضباط الذين شاركوا في ثورة 14 تموز 1958، أحيل على التقاعد عام 1962 وقد أعيد إلى الخدمة في 8 شباط 1963 وآخر رتبة له قبل أن يستلم المهمة الأولى في الدولة كانت رتبة (لواء) .

شغل منصب رئيس الجمهورية بتاريخ 16 نيسان 1966 بعد ثلاثة أيام من وفاة شقيقه عبد السلام .

لم يتمتع الرئيس عبد الرحمن عارف بخبرة واسعة في السياسة الدولية ولم يكن له خلال حكمه أي سياسة مميزة أو واضحة، عرف عنه بطيبة القلب والتسامح حتى مع الذين حسبوا على كفه المعارضة على أساس تطبيق الديمقراطية، شكل مجلس استشاري سمي (المجلس الرئاسي) ضم العديد من الشخصيات السياسية ورؤساء الوزراء السابقين وقسم منهم من المعارضين له، وكان لا يتخذ قراراته إلا من خلال هذا المجلس، أو بالأحرى كان هو الأداة التي يتم من خلالها تنفيذه ما يكلف به أو ما يتفق عليه في المجلس الرئاسي.

وبناءً لما ورد أعلاه، سأدرج هنا بعض الأحداث التي أتذكرها واجدها أكثر سخونة خلال فترة الرئيس عبد الرحمن عارف .

(3) القضية الكردية

المشكلة الأكثر تعقيداً، والتي أرقت كل القيادات العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية 1921 قضية الشمال أو القضية الكردية فلم تستطيع الحكومات العراقية في العهد الملكي من إيجاد حل لهذه المشكلة، وحاول الزعيم عبد الكريم قاسم هو الأخر ودعي الزعيم  الكردي (الملا مصطفى البار زاني) واستضافه في العاصمة بغداد إلا انه لم يتم التوصل إلى نتيجة، عبد السلام عارف حاول هو الآخر ولكن (بقسوة مفرطة) من خلال ما سمي بـ (حركات الشمال) مما زاد في تعقيد المشكلة. وكل الاتفاقيات التي عقدت مع الأكراد على مر العصور كانت تنقض من نفس الإطراف الموقعة عليها والدليل بقاء القضية معلقة رغم تعاقب الحكومات العراقية.

ونظراً لكون بخد يدا منطقة مجاورة للمحافظات الشمالية وبالتحديد اربيل فكانت تتأثر بشكل أو بأخر بسخونة هذه الإحداث في أحيان كثيرة كانت تحدد فيها حركة الأشخاص والسيارات وخاصة ليلا بسبب الظروف غير الطبيعية التي عاشتها المنطقة في تلك الفترة .

(4) الرئيس عبد الرحمن عارف في بخد يدا

هذه القضية التي أرقت كل الحكومات العراقية أراد الرئيس عبد الرحمن عارف إن تكون من أولى اهتماماته، فبدلا من إن تكون العاصمة بغداد مكانا للتفاوض مع القيادة الكردية وهي مقر الحكومة أراد إن يكسر هذه التقليد ويذهب بنفسه إلى "كلالة" مقر البار زاني نفسه ليتم التفاوض هناك. فغادر الرئيس عارف بغداد متوجهاً إلى كلالة براً. على طريق الموصل اربيل، لا أتذكر بالضبط تاريخ هذه الزيارة ولكنها بالتأكيد كانت في نهاية شهر أيلول أو بداية شهر تشرين الأولى حيث بداية المدارس، كنت في حينها في الصف الرابع أو الخامس الابتدائي، إذن الزيارة كانت في بداية شتاء 1966.

جمعنا مدير مدرسة قرة قوش الابتدائية الأستاذ عبد الرحمن الخياط لينقل لنا ما معناه"بعد قليل هناك سيارة بانتظاركم، حيث سنذهب إلى المفرق، نستقبل هناك شخصية مهمة، أريد منكم الهدوء أولا والالتزام بكل ما توجهون به من معلميكم،أريدكم مثالاً للهدوء والالتزام وحسن التصرف"

كانت كلمات المدير تطبع في ذاكرتنا لا بل تحفر لما يتمتع به هذا المربي بالذات والمعلمون الذين يشكلون الهيئة التعليمية من تأثير وقوة الشخصية .

وبالفعل ما هي إلا لحظات حتى كانت إقدامنا تقودنا وبنسق واحد إلى باص توقف أمام بوابة المدرسة، معلمو المدرسة على جانبي الصف. امتلأ الباص بأجساد صغيرة غضة ولكن رغم الازدحام الحاصل إلا انه لم تسمع إلا أصوات همسات هادئة ونظرات ترقب مع علامة استفهام كبيرة وسؤال؟

ترى! من تكون هذه الشخصية (المهمة) والتي نحن بصدد استقبالها، فكلمة "شخصية" عندما لا تعني أكثر من معاون الشرطة في مركز الناحية (القشلة) أو مدير الناحية فهؤلاء كانوا بالنسبة لنا هم (كل الحكومة) فهل من المعقول أن يأتي (المتصرف) مثلا من الموصل احتمال بعيد أو رئيس الجمهورية فهذا من سابع المستحيلات.

(5) مفرق كرمليس، طريق الموصل اربيل

كان باص (مجيد بوقا) الخشبي يسير بنا إلى جهة لا نعرفها وما هي لحظات حيث كان الباص يسلك طريق الموصل، هذا دير القديسة بربارة وهو يحتضن كرمليس، استمر (العم مجيد) وهو يتبختر بباصه الخشبي حتى توقف في مفرق كرمليس على طريق الموصل اربيل.

كان قد سبقنا إلى المكان الأستاذ إبراهيم ككي على رأس معلمي وطلاب مدرسة قرة قوش الثانية أو الملحق وكذلك الأستاذ برنار شيتو وهو يقود المدرسة التغلبية، إضافة إلى مجموعة كبيرة من وجهاء المنطقة وأتذكر منهم الأب يوسف ككي.

عندها عرفنا بان الغاية من وجودنا هنا استقبال رئيس جمهورية العراق الطلبة وقفوا على خطين متوازيين على جانبي الشارع.

وبحدود الساعة الحادية عشر صباحاً بدت حركة غير اعتيادية من قبل الأشخاص القائمين على تنظيم صفوف المستقبلين، يبدو بان موكب الرئيس يقترب من المكان الذي اعد لنا وما هي إلا لحظات حتى تقدمت عربتان مدرعتان تتقدمان الموكب، العربة المدرعة الثالثة مفتوحة من الأعلى وقد اعتلاها الرئيس عبد الرحمن عارف مرتدياً الزى العسكري واقفاً يحي الجماهير التي صفت على جاني الطريق بعد عربة الرئيس جاء رتل من السيارات العسكرية والمدنية.

الرتل كان في طريقه إلى اربيل ومنه إلى "كلالة" مقر الملا مصطفى البار زاني والذي سبق وان اتفق أن يكون اللقاء هناك.

(6) لقاء عارف والبارزاني في كلالة

في اليوم التالي أوردت إذاعة بغداد الرسمية وإذاعة القوات المسلحة من بغداد نبأ لقاء كلالة، الصحف أيضا نشرت خبر هذا اللقاء. كنت استلم بشكل يومي اغلب الصحف الصادرة في بغداد وذلك عن طريق شقيقي(بهنام) الذي كان يعمل في مطبعة الزمان العائدة للسيد توفيق السمعاني وهو من أقدم صحفي العراق ورئيس تحرير جريدة الزمان التي أخذت المطبعة اسمها.

الجرائد كانت تصل بالبريد والذي كانت بنايته مقابلة لمدرسة قره قوش الابتدائية، في حينها كان مدير المدرسة (المرحوم عبد الرحمن الخياط) يستلم الجرائد أولا يقوم بقراءتها يسلمها لي في اليوم التالي، من الصحف التي أتذكرها والتي كانت تصدر في تلك الفترة جرائد (المنار، الفجر الجديد، العرب، المواطن) وحول موضوع هذا اللقاء كانت العناوين الرئيسية لهذه الصحف في المانشيتات العريضة:

0 الرئيس عارف يلتقي البارزاني في كلالة

0 كلالة تشهد لقاء الإخوة والقضية الكردية محور اللقاء

0 الرئيس عارف يهدي سيارة للبارزاني

0 صينية ذهب هدية البارزاني للرئيس عارف

وقد نشرت هذه الصحف صور اللقاء على صدر صفحاتها الأولى بالحجم الكبير.

أهم الإحداث في حكم عارف:

1- هروب الطيار منير روفا

منير روفا، عسكري عراقي، قائد لطائرة الميغ21 تمكن هذا الطيار في عام 1966 اختطاف إحدى الطائرات المقاتلة طراز (ميغ21) والهروب بها إلى إسرائيل في عملية جاسوسية عرفت بوقتها (007) وبعد وصول هذا الطيار إلى فلسطين المحتلة عقد مؤتمراً صحفياً ادعى فيه عن دوافعه لخيانة بلده وسلاحه بانه كان يعاني من التفرقة الدينية وبأنه يشعر إن العراق ليس بلده لذلك طلب اللجوء والهجرة إلى الولايات المتحدة، وبعد فترة وجيزة ألحقت عائلته به في إسرائيل ولم يسمح له بمغادرة الأراضي الإسرائيلية فقد منح الجنسية الإسرائيلية وكوفي بمنحة مالية.

2- حرب حزيران 1967

الحدث السياسي الثاني البارز في حكم الرئيس عارف هو العدوان الذي قامت به إسرائيل يوم 5 حزيران 1967 على دول المواجهة العربية، مستخدمة في ذلك أسلوب الحرب الخاطفة .

وقد شارك الرئيس عارف بقوات عسكرية لدعم الجبهة على الرغم من وجود قوات عراقية كبيرة رابضة في منطقة المفرق الأردنية، وقد تعرضت القوات العربية فيها إلى نكسة كبيرة عرفت فيما بعد بنكسة حزيران.

........................

في العدد القادم:

1. أحداث أخرى في حكم الرئيس عبد الرحمن محمد عارف.

2. الأيام الأربعة الأخيرة من حكمه.

3. السيرة الذاتية للرئيس عارف.

4. صور تنشر لأول مرة.

 

القسم الثاني

 

ُنشر في العدد (44) ت2 2007 من جريدة صوت بخديدا

في القسم الأول من هذا الموضوع والمنشور في العدد (43) من جريدتنا (صوت بخديدا) ، تحدثت عن استقبال الهيئات التعليمية في بخديدا وطلبتها وعدد من الشخصيات الدينية والمدنية ، وكان في مقدمة هذه المجاميع الأب يوسف ككي الذي كان رئيساً لكهنه قره قوش بخديدا في حينها فاتني أن أذكر بأن الاب يوسف ككي قد أوقف موكب رئيس الجمهورية عند مفرق كرمليس ، فقد توقف الأب يوسف في وسط الشارع طالباً منه التوقف وفي يده (عريضة) لم يعرف مضمونها.

ولكن سرت ( شائعه) بين الطلبة مفادها ان الاب ككي لديه مطاليب تتعلق بالبلدة (بخديدا) وسيقوم بتسليمها الى رئيس الجمهورية وفعلاً ، توقف الموكب وتقدم الاب ككي الى الرئيس عبد الرحمن عارف وتحدث اليه بضع عبارات ثم ناوله العريضة ، والتي كما اسلفت لم يعرف مضمونها لحد هذا اليوم، ولكن ربما كان هناك اشخاص قريبون منه اطلعوا على تفاصيل الموضوع الذي اراد الاب يوسف ككي ان ينقله الى رئيس الجمهورية . كان هذا في شتاء عام 1966.

 

 

(1) بعيدا عن بخديدا, قريباً من بغداد

كانت بغداد حلما ً يراود الكثيرين ، كيف لا تكون حلماً وهي العاصمة وفيها كل مستلزمات الحداثة والتطور ، مدينة لا تنام تضج بالحركة ساعات النهار والليل لا تشعر فيها بالغربة مهما اختلف زيك او طريقة كلامك

فالغريب عنها هو ابنها ، لان سكانها هم خليط من كل محافظات العراق فلا يمكنك ان تميز بين البغدادي الاصيل والبغدادي الوافد الابطريقة الكلام.

كانت زيارتي الاولى لهذه المدينة في صيف عام 1967 في فترة العطلة الصيفية كنت اقضي اشهر الصيف الثلاثة في بغداد زملاء لي يشاركوني هذه الرحلة زملاء من بخديدي ، ابناء مدرسة واحدة (قره قوش الابتدائية) وابناء محلة واحدة (محلة دايتا) ، وكما نحن في بخديدي كذلك في بغداد ايضا محلة الدوربين في منطقة علاوي الحلة جانب الكرخ ، هي المكان الذي يضمنا ايضا كاتب هذه السطور وجورج سعيد عرب (مصور راسن) ، والذي كان مولعا بالتصوير منذ تلك الفترة ونادراً ماكانت الكاميرا تفارقه فهي رفيقتة الدائمة ، كاميرا من نوع(بوكس)BOX لازال يحتفظ بها لحد الان ، وكيف لايحتفظ بها وهي تحمل جزءاً كبيراً لذكريات لاتنسى ، فمن خلال عدستها التقطت العشرات لا بل المئات من الصور.

 

 

صباح كرومي عجم ، هذا المولع في الرياضة الى حد الهوس قبل ان يرفع (الكبنك) ليبدأ يومه في محله الصغير ، الذي تقل مساحته عن متر مربع واحد يتجاوز على الرصيف قليلا لكي يتمكن من ان يقف خلف قدر(الكبه).

اقول قبل ان يفتح يوم عمله (باسم الله) تكون الصحف الرياضية في متناول يده يشتريها من مكتبه لاتبتعد عنه سولى امتار (الملعب0الملاعب0الرياضي) جرائد رياضية يومية يتابع بشغف غير اعتيادي كل حركات وسكنات منتخب العراق في وقته والذي كان يضم عمالقة  كرة القدم (عمو بابا، صاحب خزعل ، كوركيس اسماعيل، كوركيس اسماعيل، يورا ايشابا، لطيف شندل، شدراك يوسف)

كان يحضر تدريبات المنتخب والدوري ، زائر دائم لملعبي الكشافة والشعب

وانا المتفرغ من ايه التزامات كانت معلوماتي عن بغداد قليلة قياساً بـ (جورج وصباح او يونو) ، فعليه كان كل يوم نقضيه في بغداد يحمل شيئا جديدا فبالنسبة لي فقد كنت ارافقهم حيثما يذهبون.

(2) تموز 1968

الأحداث التي سأذكرها هنا وقعت في الاسبوع الأخير من حزيران والنصف الأول من شهر تموز 1968 . قد لا اتذكر بدقة التواريخ وذلك لمضي ما يقارب من اربعين عاما عليها .

كنا نتفق نحن الثلاثة على حضور كل الفعاليات التي تحدث في بغداد وكلما سنحت الفرصة لذلك . بالنسبة لي كنت اتابع كل النشاطات الثقافية (صحافة ، كتب، معارض فنية أو مسرح) أما زميليَّ فكانت الرياضة اهتمامهم الوحيد والرئيسي.

 (3) الرئيس اللبناني (شارل حلو) في بغداد

في يوم من ايام شهر تموز 1968 لاحظنا حركة غير اعتيادية في شارع (الزيتون) والذي يمتد من مطار المثنى وحتى جسر (14 تموز) المعلق حيث بوابه القصر الجمهوري ماراً من المحطة العالمية ونهاية منتزه الزوراء.

مجموعة من الدراجات النارية الخاصة بمرافقة رئيس الدولة وكبار الوفود اتجهت نحو المطار قادمة من جهة القصر الجمهوري.

جماهير قليلة كانت واقفة قرب السياج الخاص بالمحطة العالمية ، وما هي دقائق حتى كانت اصوات الدراجات البخارية  التي تتقدم الموكب من جهة المطار ، وعندما وصل موكب الرئيسين عارف وشارل حلو كنا نحن الثلاثة قريبين جداً من الموكب ، جورج عرب والذي كانت الكاميرة ترافقه عبرَّ الى الجهة الثانية ليصور الموكب وقد تجد الصورة الملتقطة مرفقة بهذا الريبورتاج.

قسم من الجماهير الواقفة كانت تهتف اثناء مرور الموكب :عارف ناصر ... عارف ناصر فقد كانت هذه الجماهير تعيش حلم الوحدة ، خاصة تجربة (الجمهورية العربية المتحدة) عندما اتحدت الدولتين مصر وسوريا في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر ثم اعلنت الوحدة بين مصر وسوريا والعراق والتي لم يكتب لها الاستمرار.

(4)14 تموز 1968 ومستشفى عبد السلام عارف

عصر يوم (14 تموز) عام 1968 لاحظنا حركة غير اعتيادية في مستشفى حديث لم يفتتح بعد يقع في منطقة (الدوربين)علاوي الحلة ، وهي منطقة سكننا وتواجدنا.

حب الاستطاع او الفضول دفعنا لأن نكون احد الحضور . بعد انتظار لم يدم طويلاً تقدمت كوكبة من راكبي الدراجات النارية ، التي كانت ترافق الوفود والتي كانت بحدود (12) دراجة كل ستة على جانب من الطريق وفي الوسط سيارتان او ثلاث بلون اسود كنا قريبين جداً من الوفود او بالاحرى ، بينهم نزل شخص يستقل المقعد الامامي لفتح الباب الخلفي حيث ترجل الرئيس عبد الرحمن عارف .

السيارة السوداء الثانية نزل منها كل من طاهر يحيى رئيس الوزراء وابراهيم فيصل الانصاري رئيس اركان الجيش والحماية الخاصة بالوفد لايتجاوز عددها الخمسة اشخاص . تقدم الرئيس عارف ومرافقوه لافتتاح المستشفى والتي كانت القطعة التي رفعت عليها تشير بأنها (مستشفى عبد السلام عارف).

وقبل ان يقص الرئيس شريط الافتتاح مد يده الى جيبه ليخرج (كفية) منديل أبيض يمسح فيه عرقه المتصبب في ذلك اليوم التموزي القائظ ، ولكن هذا المنديل سقط من يد الرئيس ليلتقطه جورج عرب ويحتفظ به ولا ادري ان (العرب) لازال يحتفظ به لحد هذا اليوم.الملاحظ هنا انه لا الرئيس ولا أي احد من مرافقيه انتبه الى حادثة المنديل هذا وكأن الامر اعتيادي.

هذا المستشفى اقصد (مستشفى عبد السلام عارف) احتفظ بهذا الاسم مدة ثلاثة ايام فقط  لغير بعده الى (مستشفى الكرامة) ، أي  بعد 17 تموز 1968 ولازال يحتفظ بهذا الاسم لحد هذا اليوم.

وكان الرئيس عارف قد افتتح قبل هذا المستشفى جامع في منطقة علاوي الحلة ايضا يقع خلف بناية المتحف العراقي سمي بجامع (عبد السلام عارف )ايضا, ولا ادري الاسم الجديد للجامع بعد يوم 17 تموز.

 (5) فجر يوم 17 تموز 1968

استيقظت في الساعة السادسة صباح يوم 17 تموز على صوت مارشات عسكرية وموسيقي غير الموسيقى المعتادة من اذاعة بغداد , يبدو ان جاري (ابو علي) أصر ان يرفع صوت المذياع لكي يسمعه الجيران, خاصة وان البيوت كانت متلاصقة لا يفصل بينها إلا الحائط المشترك.رغم حرارة الجو في تموز بغداد, إلا أن ساعات الصباح الاولى وخاصة فوق سطح الدار تحمل برودة (خجلة)

صوت فيروز كان هو المعتاد ان تسمعه في وقت كهذا... استمرت الموسيقى والمارشات لبعض الشي الى ان قطعها صوت جهوري يعلن : اذاعة الجمهورية العراقية في بغداد, ايها الاخوة المواطنون, بعد قليل تستمعون الى بيان صادر من مجلس قيادة الثورة0

وبقي المذيع يكرر هذه العبارة كل عدة دقائق ولفترة تقارب من الساعة ليقطع البث بعد ذلك ويعلن المذيع بيان رقم(1) صادر من مجلس قيادة الثورة , ايها الاخوة المواطنون, بعد الاتكال على الله......الخ)

عرف مستمعو الاذاعة بعد هذا البيان هو اعلان لتغبير سياسي في العراق انهى حكم عبد الرحمن عارف بعد سنتين وثلاثة اشهر واربعة ايام من الحكم.اذن انتهى حكم عبد الرحمن عارف ليستلم الحكم بعد ذلك مجلس قيادة ثورة يراسه احمد حسن البكر

(6) صباح يوم 17 تموز 1968

بعد هذا البيان اذيعت مجموعة بيانات وتوجيهات بخصوص دوام الدوائر وحركة السيارات والسابلة , لم اسمع صوت لاي اطلاق نار خلال صباح هذا اليوم خاصة وان منطقة سكننا (الدوربين) كانت قريبة من منطقة الصالحية حيث مقر إذاعة بغداد.نداءات عديدة وجهت إلى العاملين في المستشفيات والمراكز الصحية والمذاخر الالتحاق بوظائفهم فوراً... العاملون في المخابز والافرن ُطلب منهم التوجه الى اعمالهم ، الحركة في بغداد بدت بطيئة وحذرة , وكنت في البيت الى الساعة العاشرة صباحاً , بعدها قررت الخروج لاستطلاع مايحدث في الشارع.

منطقة علاوي الحلة والمتحف العراقي كانت محطتي الاولى خاصة وهي قريبة من المنطقة التي اسكن فيها الناس ايضا وجودهم في الشارع تحكمه الضرورة..

اتجهت الى ساحة (جمال عبد الناصر) في قلب منطقة الصالحية (شارع حيفا حاليا) والقريبة من اذاعة بغداد, كانت هناك عدة دبابات تربض في مدخل الشارع الخاص بالإذاعة, دبابة أخرى في بداية جسر الأحرار والذي عبرته يتقدمتي اليه شخص واحد فقط الى شارع الرشيد في الرصافة والذي كان شبه خالي تماما0ً عندها عدت ادراجي الى البيت في جولة حرة ولكنها حذرة استغرقت بحدود الساعة.استمر هذا الوضع طوال هذا اليوم لتكون حركة العجلات والناس ليوم 18 تموز 1968 اعتيادية وعندها باشر الموظفون ايضا في دوائرهم.

7.   بعد (17 تموز) أين ذهب عارف؟

الرئيس عبد الرحمن عارف استسلم للامر الواقع مقابل الحفاظ على حياته وحياة عائلته, طالباً الحفاظ على حياة ابنه (قيس) والذي كان ضابطاً كبيراً في الجيش العراقي .وفعلا نقل من مقره في القصر الجمهوري الى مطار المثنى حيث استقل طائرة خاصة نقلته الى اسطنبول في تركيا ، والذي بقي فيها حتى عام 1982 حيث دخل العراق بناءً على طلب الحكومة العراقية0 وبقي في العراق منذ ذلك الحين حتى عام 2004 حيث غادر العراق متوجهاً الى الأردن بعد أن تردى الوضع الأمني في البلد.

8. ومضات من حياة الرئيس عارف

- عرف ان فترة حكمه كانت بسيطة جداً, لأنه رجل مسالم حتى انه كان يتحرك في بغداد بسيارته الخاصة دون مواكب او حماية, وعاش بهدوء

- كان يحتفظ بعلاقات جيدة مع كافة الجهات والاحزاب ونشطت في عهدة هذه الاحزاب والتي كانت تعمل وتتظاهر بحرية , كما نشطت الصحافة الحرة حيث ظهرت ولأول مرة صحف مستقلة بمواصفات عالية

- كانت له علاقات مميزة مع الاكراد وخاصة مع الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني وكذلك مع الاقليات الاخرى

- نقلا عن (ابراهيم الزبيدي) وهو مسؤول مذيعي إذاعة وتلفزيون بغداد عام 1967, اذ يورد حادثة طريفة , هي انه اصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرراً بوقف إطلاق النار بعد عدوان (5 حزيران) في حينها ( تطوع) الزبيدي على الهواء مباشرة ومن دون إذن من احد بإصدار بيان يرفض فيه باسم الجماهير العربية قرار وقف اطلاق النار يومها غضب الرئيس عارف على الزبيدي واتصل به طالباً منه أن يأتي الى القصر الجمهوري ليحكم بدلا منه ثم اردف بعد فترة صمت (وكما ينقل الزبيدي) بصوت فيه ود وحنان : (زين يابا زين) واقفل الهاتف

*عرف عن العراقيين بانهم لم يرضوا سياسيا على شخص معين الا ونعتوه بصفة سيئة أو ساخرة لهذا اطلقت صفات عديدة على السياسيين العراقيين فمثلا : عبد الكريم قاسم كانوا يقولون له ( قاسم قندرة وعبد السلام قيطانها ), عبد السلام محمد عارف كانوا يسمونه (حجي مشن) ، وفي وقته ايضا كان يردد شعار يقول : (بيبسي وكوكا بالسجن العب بكيفك يامشن) ويقصد به بان عبد السلام عارف قد اعتقل البعثين والشيوعين .

 

رئيس الوزراء العراقي (طاهر يحي) في زمن عبد الرحمن عارف كان يطلق عليه عبارة (حرامي بغداد) او (سفن اب) للدلالة على قصره. أما عبد الرحمن عارف فكانوا يطلقون عليه تسمية (خروف) أو (طلي).

 

- ليس غريباً ان يرث الابن أباه او الاخ أخاه في اية سلطة اجتماعية او نظام ملكي, أما ان يحصل هذا في نظام جمهوري فهي سابقة خطيرة تسجل على العراق ولم تتكرر في كل دول العالم

 

- من السياسين العراقيين الذي عملوا في فترة حكم الرئيس عبد الرحمن عارف والذين لا زالو لحد هذا اليوم يمارسون العمل السياسي هو عدنان الباجه جي والذي  كان وزيراً للخارجية في تلك الفترة

 

- الرئيس عارف كان مقيماً في تركيا وقد استجاب لطلب الحكومة العراقية بالعودة الى العراق, في عام 1982 دخل الاراضي العراقية عن طريق معبر ابراهيم الخليل البري.  يقال بان سلطات الكمارك العراقية استفسرت عن هويته فقال لهم : كنت رئيساً للجمهورية, فاتصلوا بمحافظ نينوى ، الذي جاء واستقبله هناك ورافقه حتى الموصل.

....................

هوامش

- عبد الرحمن محمد عارف خضر ياس الجميلي .

- مواليد 1916.

- عائلة والده متكونة من اربعة اولاد واربع بنات.

- دخل الكلية العسكرية عام 1936.

- أحيل على التقاعد عام .1962

- أعيد للخدمة بعد 8 شباط عام 1963.

- عمل سفيراً للعراق في الاتحاد السوفيتي.

- أب لولدين أكبرهم (قيس) وثلاث بنات.