دراسات
نذير حبش
مقالة في المنهج
محاولة إعادة اللغة الإنكليزية إلى الجذور الرافدينية
(العربية/السريانية/الآرامية/.. )
هذا البحث العلمي (لبناء منهج) ، رغم إنه غير مسلّي نوعاً ما، لكنه من الخطورة والأهمية بمكان بالنسبة لحضارتنا العربية/السريانية/الآرامية، لعلماء اللغات السامية، ألسريان والعرب وكل المختصّين باللغة الرافدينية وجذورها. نهيب بهم أن يخوضوا غمار الموضوع وأن لا يتركوه لباحث بمفرده مهما كان ذاك الباحث من علْم ومقدرة. أن معظم الباحثين من أمثال (د . نبيل الجنابي)، هم ضحايا المرحلة العثمانية (أرجو أن لا يفهم هذا القول بالمعنى الشوفيني إنما أقصد الفترة العثمانية وليس العنصر التركي ، الذي هو نفسه أدار ظهره للمنهج العثماني). سوف أتخذه ـ أي د. الجنابي ـ كمثال لبناء (منهجيتي) في إعادة اللغة الإنكليزية ، أو غيرها للجذور الرافدينية.
لا شك أن التلفاز كان نقمة من جانب ما بعدها نقمة! فهل من السلامة العلمية أن يدخل ـ دون استئذان ـ (محمود ياسين ونجلاء فتحي) خيمة كِعاب قبليّة، يشوّهان العادات الإجتماعية القبلية، ويبثان الإضطراب في النسق والبُنى الأخلاقية، في أقصى البوادي والصحارى ، بقصصٍ رومانسية مريضة، في مجتمعٍ غير مجتمعهما، ويفسدان التطور الإجتماعي والأخلاقي الطبيعي لذلك المجتمع، أن يسقط كتاب، عن قصدٍ أو دونه، يلتقطه، فيبدأ عشقٌ وولهٌ، مرضٌ وهذايان ؟!!
من جانب آخر لا يمكن الإنكار ما كان للتقنية من فائدة عظيمة. كانت نعمة للبشرية من عدة أوجه، وفي مجالات شتى.
خرج في بداية الألفية الثالثة، على إحدى القنوات الفضائية العربية ـ وما أكثرها هذه الأيام ـ الدكتور (نبيل الجنابي) ، الباحث في جذور اللغة الإنكليزية. ببرنامج في غاية الأهمية والخطورة. يحاول إعادة اللغة الإنكليزية إلى جذور اللغة (العربية). وبعدها أعادته عدة قنوات فضائية عربية، منها ، ألليبية، ألجزائرية، وفي بداية 2005 ظهر لحلقتين على الفضائية اليمنية ـ هذا موضوع حضاري وعلمي مشرف بحق، لكن إذا فهمنا (ما هي اللغة العربية) وماذا نقصد بها، وإن إتّبعنا (منهجاً) علمياً سليماً للوصول إلى غايتنا العلمية هذه، أي إعادة اللغة الإنكليزية إلى جذور (لغتنا الرافدينية)، فهل كان الباحث يستند إلى منهج علمي ، وهل كان موفقاً في تحقيق غايته ؟
أللغة العربية كلغة حضارة
أولاً وقبل كل شيء علينا تحديد تاريخ مصطلح (أللغة العربية) بشكل علمي دقيق. حسب الوثائق التاريخية نتعرّف على تسمية (عربي) لأول مرّة في في أقدم إشارة إلى أمير عربي في نقش آشوري يعود إلى عهد الملك ( شالمنصر الثالث في القرن التاسع قبل الميلاد) في هذا النقش يبدو لنا أن (جندبُو)* كان قد أقام حلفاً مع ملك دمشق في حربه ضد الملك الآشوري سنة 835 ق.م. هكذا يكون هذا الأمير قد نقش إسمه كأمير (عربي) قبل إنهيار سد مأرب بـ 500 عام ـ حيث أن إنهيار السد سبق الميلاد ب 300 سنة.
وأقدم من عرف بهكذا إسم من العرب العاربة# هو (جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طي) بينه وبين طي ثلاثة آباء فقط....)) (1)
......................................................................................................................
* لاحظ الجرْس السرياني لأسم جُنْدُبُو (الكاتب). وكلّنا على علم بأن الأسماء باللغة العربية تنتهي بصوت الواو والنون في حالة النكرة، أي ما يعرف نحوياً بتنوين الضم. يبدو أن الأسماء في المرحلة السريانية كانت تنتهي بالواو والنون (ألنون للإستراحة). وإذا كانت القاعدة (مطلقة يمكن حذفها شكلاً (أي كتابةً) والإبقاء عليها لفظاً. كما قلنا في مكان آخر لأن النطق يتبع الجهاز الصوتي للإنسان وليس الإنسان مخيّراً فيه. (الكاتب)
# ألعرب اليوم يصفون سريان الأمس اللذين دخلوا الدين الإسلامي الحنيف ودخلوا المرحلة العربية وتخلّوا عن اللغة السريانية ، ولم يكونوا من القرشيين أو القبائل التي كانت لغتهم (لهجتهم) إستقلّت قليلاً عن لغة الأم (السريانية) ـ يصفونهم بالعرب العاربة، مثل طي وبكر وربيعة ووائل وشيبان وتغلب..إلخ. يمكن الملاحظة أيضاً (سريالية التسمية) إذا كانوا عرباً فلماذا عاربة ؟! (الكاتب)
1 ـ حلمي، محمد إبراهيم/ مختصر تاريخ العرب، دار المنار المصرية، ط أولى سنة 2003 ص 12......................................................................................................................
إن تسمية قبيلة أو شريحة من الناس ليس بالضرورة أن تكون (لغتهم) أو (لهجتهم) هي لغة الحضارة السائدة لتلك الأمة، وهذا كان الحال بالدقة يوم ذُكر (جندبو) في التاريخ المكتوب (حتى اللحظة في الأقل). كانت اللغة السريانية هي لغة الحضارة للأمة. ولست معنياً هنا بعرض تاريخ (مرحلتنا العربية بالدقة). فإذا قلّ أو زاد قرن من الزمان وفق مصادر
أخرى لا يسيء إلى هدفنا. فقط أود تحديد بداية المرحلة العربية (كلغة حضارة قائدة للأمة)، وهل كان هنالك قرار سياسي في ذلك.
ألمعروف أن سيادة اللغة العربية (كلغة حضارة للأمة) كان بعد الإنتصار السياسي للدين الإسلامي الحنيف وإقامة الدولة، الذي بشر به ـ كما هو معروف ـ الرسول الكريم محمد (ص). سوف أعتمد (وفاة) الرسول الكريم أي عام 632 للميلاد. وإن كان لابد من ذكر ميلاد الرسول الكريم، فالمتفق عليه تاريخياً هو: يوم الإثنين ، 20 أبريل سنة 57.
وإن إخلفت مصادر أخرى في تحديد ميلاده، ففي دائرة المعارف البريطانية يكون ميلاده في مكة عام 570م. (1) أما صاحب قصة الحضارة الشهير (( بعد وفاة والده بشهرين سنة 569 م ولدت آمنة أعظم شخصية في تاريخ العصور الوسطى. في إقليم ثلاثة أرباعه صحراء مجدبة، قليلة السكان، أهله من القبائل البدو الرحل، إذا جمعت ثروتهم كلها لا تكفي إنشاء كنيسة آياصوفيا.
لم يكن أحد في ذلك الوقت يحلم أنه لن يمضي قرن من الزمان حتى يكون أؤلك البدو قد فتحوا نصف أملاك الدولة البيزنطينية في آسية، وجميع بلاد الفرس، مصر، ومعظم شمال أفريقية، وساروا في طريقهم إلى إسبانيا. ألحق أن ذلك الحادث الجلل الذي تمخّضت عنه جزيرة العرب ، والذي أعقبه إستيلائها على نصف عالم البحر المتوسط ونشر دينها الجديد في ربوعه، لهو أعجب الظواهر الإجتماعية في العصور الوسطى.)) (2)
تلك القبائل البدوية السريانية التي كانت تعيش في الشتات ، التي كانت تُعرف (محلياً فقط) بالعرب (( لم تكن لبلادهم، كوحدة سياسية، وجود قبل عصر النبي)) فلم يميّزهم المؤرخون اليونان عن أعمامهم في بلاد الشام أو العراق بتسمية مغايرة. فاليونانيون كانوا قد أشاروا إليهم بالنسبة الجغرافية فعُرفوا عندهم بـ
Sarakenoin
أي الشرقيون. ومنها المفردة الإنكليزية
Saracens
فقد نظر اليونان على الكيانات السياسية السريانية كالغساسنة واللخميين وبلاد اليمن والعرب (آنذاك) كشعبة واحدة، وذاك هو الصواب. ((كان النظام السياسي السائد في بلاد الإسلام، إذا إستثنينا الممالك الصغرى في الجنوب والشمال، هو النظام البدائي الذي يقوم على رابطة القرابة والذي تجتمع الأسر بمقتضاه في عشائر وقبائل. بل أن هذه الممالك الصغرى نفسها لم تكن تخل من قسط كبير من هذا النظام القبلي. كانت القبيلة تسمى باسم أب مزعوم عام، فالغساسنة مثلاً كانوا يعتقدون أنهم (أبناء غسان) ..) (3)
......................................................................................................................
1 ـ جحا، مصطفى/ أزمة العقل في الإسلام، مجهول الطبعة ص 61
2 ـ ديورانت، وول، صاحب قصة الحضارة الشهير / جزء 2، مجلد 4،ص 20 و6ـ7
3 ـ ديورانت، المصدر نفسه ص 10
......................................................................................................................
غادر الرسول الكريم حياة الدنيا دون أن يضع فارقاً بين اللغة السريانية الأم وما بين اللهجة (القرشية) السريانية. كتب القرآن الكريم بالخط السرياني (النبطي) لكن وفق اللهجة القرشية، دون أن يكون ذلك قراراً سياسياً عاماً. كان الرسول يتعامل بسريانيته في بصرى الشام وفي أماكن أخرى بشكل وافي. عدم إتخاذ القرار السياسي من قِبل الرسول الكريم يعيده معظم الباحثين على أن الوحي كان مستمراً في حياة الرسول ولا يمكن إغلاق باب الوحي.
بعد وفاة الرسول وإتساع رقعة الدولة ودخول قبائل من غير قريش داخل دائرة الكيان السياسي للدولة ودخولهم الدين الجديد، خلق مشكلة اللغة والتعامل مع القرآن الكريم الذي أصبح (الكتاب المقدس) للجماعة المؤمنة، أي إختلافهم في كيفية نطقهم للآيات القرآنية.
في عهد الخليفة عثمان بن عفان (مات مقتولاً عام 35 هـ)، إستفحل الأمر وإستوجب التدخل من جانب الخليفة عثمان نفسه، فإتخذ القرار عام 651 م ـ الذي يمكن إعتبار هذا التاريخ بداية المرحلة الحضارية العربية ـ الذي غيّر مجرى الأمة حضارياً. أمر بجمع القرآن الكريم وأن يُكتب بـ (لسان قريش) (أللغة في السريانية تسمى لشانا أي أللسان). يمكننا إعتبار هذا القرار صائباً من الناحية (السياسية)، لكن كان ذو نتائج سلبية (حضارياً) بالنسبة للأمة. كان ما يمكن تشبيهه بقطع جذع الشجرة الكامل لمدة قرون من أعلاه، وإطلاق أحد أغصانها ليسود عليها. هكذا فرضت (اللهجة) على اللغة الأم. هذا تتطلب الكثير لبناء تلك اللهجة للوصول بها كلغة حضارة ناضجة.
ومن الجدير بالذكر هذا القرار ـ إتخاذ هذا القرار السياسي ـ أي بأن تكون (لهجة قريش) لغة الدين والدولة الرسمية ، وترك اللغة الأم، السريانية ـ سبق ولادة اللغة العربية نفسها كما قلنا لسبب بسيط ، أن لهجة قريش لم تكن جاهزة لتكون لغة حضارة. لهذا أقول أن قرار الخليفة عثمان بن عفان لم يكن صائباً من الناحية الحضارية، لأنه أقام (قطيعة قسرية) بين الأمة ولغتها الحضارية الجاهزة والكاملة (أي اللغة السريانية) والمعتمدة حتى من قبل أمم وحضارات أخرى ـ وتراثها المكتوب بالسريانية، مما تطلّب بعد ذلك الترجمة من اللغة الأم إلى اللهجة القرشية ـ لأن القرشيين ذوي لهجة سريانية غير فاعلة من الناحية الحضارية آنذاك، التي كانت قد تمايزت (نوعا ما) عن اللغة السريانية الأم، أرقى ما يمكن أن نسجل لهم عدة قصائد من الشعر المنقول شفاهياً. ولم يكونوا يشكّلون إلاّ فئة قليلة من أمّة كبيرة، لكنهم قادوا الأمة سياسياً حينها بعد الإنتصار السياسي والعسكري.
أما الولادة (الحقيقية النهائية) للغة العربية كانت عندما وضع علماء اللغة النقاط (التنقيط) على الأحرف السريانية ، التي كانت تخضع لقواعد معقدة فيما يخص النطق، ونحت الحركات الإعرابية، والأكثر من هذا، القرار السياسي لأتخاذ (اللهجة القرشية) (أسرع) في نضوجها، لأن النحاة وجدوا أنفسهم أمام لهجة يجب أن تقوم بوظيفة حضارية وسياسية، فأضافوا رموزاً شكلية (أحرف) جديدة تعبّر عن الأصوات التي كانت السريانية تستوعبها بعدد أقل من الرموز الشكلية (الأحرف)، إذ السريانية كانت تتكون من إثني وعشرين حرفاً، فأضيفت في المرحلة العربية ستة أحرف أخرى لتصبح الأبجدية العربية (السريانية الحديثة) تتكون من ثمان وعشرين حرفاً. كثير من علماء اللغة بذلوا جهداً في بناء اللغة العربية، ومن أولئك اللغوين العلماء (أبو الأسود الدؤلي متوفي 69 للهجرة) و(الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفي 175 هـ 791 م). وفي هذا دليل على أنه تتطلب أكثر قرنين من الزمان كي تستقيم تلك اللهجة كلغة حضارة. والتطور اللغوي لا ينتهي مادامت مستخدمة ولها كيان سياسي.
......................................................................................................................
ديورانت، وول/ قصة الحضارة، مجلد4، جزء2 ص49
* * *
هنا سوف أقدم ـ عساي أن أوفق في ذلك ـ سوف أقدم (منهجاً علمياً) لباحثي اللغات السامية (بكل تسمياتها وفروعها) والباحثين في هذا المجال من أجل (العمل) على إعادة جذور اللغة الإنكليزية إلى الجذر الرافديني (اللغة العربية/السريانية/الآرامية/العبرية/ الأكدية/وكل التسميات الأخرى لجذورنا الرافدينية) وإلى كافة مراحلنا الحضارية التي عاشتها الأمة (المرحة العربية، السريانية، ألبابلية، الفينيقية، الأكدية، الآشورية...إلخ.).أي هنا لست معنيّ بإعادة (المفردات)، أي القاموس الإنكليزي بكامله لأن ذلك يحتاج إلى توافر و (تضافر) جهود (جميع) العلماء والباحثين وفق قواعد (منهج علمي) ـ ألذي أنا بصدد تقديمه ـ يهتدون به من أجل تحقيق هذه الغاية العلمية الحضارية المهمة جداً من أجل إعادة حقوق الأمة الحضارية العلمية. ومن إستطاع بشكل (علمي) إعادة عشر مفردات فقط إلى جذور لغتنا، يكون قد قدم خدمة حقيقة لحضارتنا، لكن بشرط واحد : أن يعيدها وفق (منهج علمي منطقي).
سوف أضع أعمال أحد الباحثين تحت (المجهر العلمي النقدي) ، وهو الباحث (د. نبيل الجنابي) من أجل بناء (منهجيّتي) لتحقيق هذا الهدف.
عنوان البحث
ينطلق الدكتور (نبيل الجنابي) إنطلاقة (لاهوتية) ، فهو ينطلق من مسلّمة ثم البرهنة عليها. هذا المنطق (اللاهوتي) معروف عند اللاهوتيين وعلماء الكلام، بأن يسلّموا بمقدمة ثم العمل على تعليلها إذا امكنهم ذلك. فالباحث يقرّ مقدماً بأن جذر اللغة الإنكليزية هو جذر رافديني (عربي حسب الجنابي)، ويسمي عنوان بحثه (ألجذور العربية للغة الإنكليزية). في هذا تخطٍّ على القواعد العلمية الموضوعية. فنحن لا نستطيع الإقرار بالنتيجة قبل العمل، ثم البرهنة على الغاية التي إنطلقنا من أجلها.
قبل أن نقرر أن اللغة الإنكليزية برمتها تعود إلى جذور لغتنا علينا (العمل) على إعادة القاموس الإنكليزي( الجذور) وما أمكن من المفردات التي تُعرف (بالهندو أوربية). بعد ذلك نرى كم من الجذور لهذه اللغة ـ أي الإنكليزية أو غيرها ـ ثم نعلن قرارنا العلمي بإعلان قاموساً يتضمن كل (الجذور) والمفردات التي تعود بجذورها إلى (لغتناالرافدينية)، كي نكون موضوعيين تجاه الحضارات الأخرى. من هنا جاء عنوان هذا البحث (محاولة....)
حبّذا لو إتخذوا علماء اللسانيات العرب على عاتقهم دراسة لغاتنا القديمة واللهجات بكافة تسمياتها دراسة علمية وافية. وتبويبها بشكل علمي في قواميس علمية يمكن الإعتماد عليها. كل فترة يقوم الهولنديون ـ على سبيل المثال ـ بعمل مسح على لهجاتهم والتقاط المفردات المستجدة من أجل رفد لغتهم الناشئة. فكيف نحن اللذين نملك مخزوناً هائلاً ، بل مراحل حضارية قدْنا البشرية من خلالها! فعلينا أن نفتخر، لا أن نقيم (قطيعة) مع مراحلنا الحضارية.
لهي جريمة حضارية لو أقمنا قطيعة بين مراحلنا الحضارية ، وإذا كانت المؤسسات الدينية ـ وليس الدين ـ أو شخصيات سياسية أقامت قطيعة، فقد إرتكبت خطأً قاتلاً بحق حضارتنا. ولا نريد التفلسف أكثر ، فلو عدنا بالتاريخ سوف نجد الفترة الذهبية التي عاشتها الأمة كانت بعد القرن الأول الهجري حتى سقوط بغداد على يد المغول. تلك الفترة التي عاشتها الأمة ـ بعد بناء الدولة ، أي المرحلة التي سُمّيت بـ (المرحلة العربية والإسلامية) ـ كانت قبل أن يشتد الصراع (الكهنوتي) للمؤسسات الدينية وتتباعد عن بعضها البعض، ثم دبت الإنشقاقات حتى كان ما كان. لكن الآن لا عذر لنا ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين. علينا أن نعيد ونقيّم تاريخنا، وما يجب معرفته بأن الأديان ما هي إلاّ ركن من أركان حضارتنا وليست كل الحضارة، هل سأل أحد عن ديانة جبران خليل جبران أو السّياب؟!
* * *
أعترف بأنني لست ضليع باللغات الأوربية (لأسباب خارجة عن إرادتي كمعظم البشر)، لكن إحتكاكي ببعض اللغات منها، يجعلني أستسقي أمثلتي بطريقة علمية ، لبناء فكرتي الخاصة. ,وأنا أحاول البحث في (منهجية البحث) ـ أي ما يجب أن تسير عليه أو (يعمل) بموجبه أي باحث في إعادة اللغة الإنكليزية إلى جذورها (الرافدينية). فاللغة الإنكليزية ليست وليدة ثلاثة عشر قرناً، بل هي أقدم بكثير. لأنها هي الأخرى لغة متطورة من (جذور)، تلك الجذور هي التي أُخذت (أستعيرت) من لغتنا (الآرامية) بجميع مراحلها، ألآرامية/السريانية والعربية.
متى أخذت تلك الجذور ، هذا هو الخط الأول الذي أنا بصدده في بناء (منهجية البحث) . فتاريخنا ، ومراحل حضارتنا عديدة. أي أن تلك الجذور أُستعيرت في أزمنة ، ومن أبواب مختلفة. ليس كما يزعم (د.نبيل الجنابي) بأن اللغة الإنكليزية أُستعيرت من باب (الأندلس) من حضارتنا الأندلسية، عندما أحتك الغرب بحضارتنا. ومن أجل هذا قدمت في بداية هذا البحث لبداية مرحلتنا العربية بشكل موجز.
أللغة ليست (بضاعة) نغرفها دفعة واحدة والسلام. لو كان الأمر كذلك لكنّا غيّرنا لغاتنا متى ما نشاء!! لَكنت إقترحت ـ أنا شخصياً ـ على الصينيين أن يغيّروا لغتهم، التي أتوقع لها الإنقراض إذا بقيت بهذا الشكل البدائي، الذي لا يرقى إلاّ قليلاً على بعض الحيوانات الراقية ـ هذا هو الخطأ القاتل الأول للباحث لكنه ليس الخطأ الوحيد!
ألخطأ القاتل الآخر هو أن الباحث يتبع طرقاً مشوّشة ، ودون إستناد على أية قاعدة علمية في إعادة (المفردة) إلى اللغة العربية، سوى التشابه اللفظي في أغلب الأحيان. لهذا يختار مفردات التي هي متطابقة لفظاً (تقريباً) مع اللغة العربية.
لكن المنهج السليم هو أنه ليس بالضرورة (ألتطابق اللفظي) للمفردات، إنما الأسلوب العلمي يقتضي أن نتبع التالي :
1 ـ أولا وقبل كل شيء أن نمدّ خطاً تاريخياً أفقياً منذ اللحظة الراهنة (لحظة البحث) نزولاّ بالتاريخ نحو الماضي المدوّن للغة الأجنبية نفسها، ألمراد إعادتها إلى جذور لغتنا
2 ـ أن نمدّ خطاً تاريخياً أفقياً للغتنا موازياً لتاريخ اللغة الأجنبية، موضوع البحث.
ألخط التاريخي للغتين:
1 ـ ( ألمفردة الأجنبية في أللحظة الراهنة).............نزول نحو الماضي.............. (جذور اللغة الأجنبية)
2 ـ (ما هو حي ومستخدم من لغتنا بأسم اللغة العربية أو أي إسم آخر، في اليوم الحاضر، مثل السريانية، العبرية، إلخ وكذلك اللهجات)....نزول نحو الماضي...... (المرحلة السريانية/ألآرامية)...... (كافة مسمّيات جذور لغتنا، سريانية، آرامية، فينيقية، أكدية، إلخ).
3 ـ نأخذ (المفردة) الأجنبية ونثبّت (معناها الفكري) أولاً، ثم النزول بالتاريخ إلى جذرها التاريخي في اللغة الإنكليزية نفسها ، موضوع البحث، أيضاً نرى إذا كان (معناها الفكري) هو نفسه أم تغيّر.
4 ـ نتأكد إذا كانت المفردة مركبة من أكثر من مفردة، نبحث في معنى الجذرين أو ربما أكثر.
5 ـ بعد أن نتأكد من (تاريخ) اللفظة الأجنبية و(معناها الفكري)، نمد خطاً عمودياً كي يتقاطع مع الخط التاريخي للغتنا، ونرى ما هي المرحلة اللغوية للغتنا في نقطة التقاطع.
على سبيل المثال، ألمفردات التي أستعيرت قبل الميلاد، هل من المعقول أن نردّها إلى المرحلة العربية ـ كما يفعل باحثنا الدكتور نبيل الجنابي ـ وأن اللغة العربية (كلغة حضارة) بدأت بعد الفتح الإسلامي وبناء الدولة ، أي المرحلة (العربية ألإسلامية) ؟!
هذا لا يعني أن (اللغة العربية ) هي لغة مستقلّة عن المراحل (جذورها). فهي بالتأكيد تحمل في طيّاتها المراحل جميعها. لكن وفق هذا المنهج الذي بسَطّه يجعلنا (نعيد) المفردة الإنكليزية أو غير إنكليزية بصورة علمية (كاملة) وسليمة. لأن (د. الجنابي) لا يفقه هذا المنهج فهو لم يعط لنا ـ (ولن يستطيع بدون هذا المنهج) ـ تفسير نهايات المفردات اللغة الإنكليزية (المكتوبة والغير الملفوظة) حالياً . فهو يتغاضى عنها قصداً ودون أن يذكرها في كثير من الأحيان. فهذه النهايات لم توجد عبثاً، بل اللفظ يتطور في اللغات ويخلّف وراءه الشكل، أي الكتابة. من هنا يأتي دور علماء اللغة في التنقيح وتهذيب اللغة. ألآن هنالك حركة في الإنكلزية الأمريكية في كتابة المفردة كما تلفظ، بعد أن ضرب (النطق) اللفظ بينه وبين الشكل (الكتابة) بون شاسع. في اللغة الهولندية أجازوا الكتابة كما تلفظ مثل صوت (الكاف) الذي كان كما في الإنكليزية يشكل بعدة طرق منها، بواسطة (السي والراء..إلخ) . ألآن تكتب بحرف الكاف
k
كي لا يصبح البحث عبارة عن متاهات نأتي بمثال:
لتوضيح منهجيتي. massageسوف آخذ مفردة
هذه المفردة التي يعيدها معظم اللغويين الأوربيين إلى اللغة الفرنسية ، وهي آرامية/سريانية، أي عربية في غاية الوضوح !!
حسب المنهج الذي بسطناه ، نحدد معنى المفردة الآن (لحظة البحث)، كذلك البحث عن تاريخ المفردة (جذرها) ومعرفة (معناها) آنذاك ـ لأن المفردة تتطور شكلاً ومعناً عبر التاريخ ـ إن كانت في الإنكليزية، الفرنسية أو في المرحلة اللاتينية، أو اللغات الأوربية الأخرى..إلخ. تتشكل اللغة بطرق منها حسب رأينا:
ـ التحوّل : أي تحول الأصوات إلى بعضها البعض، وبناء مفردات جديدة، وهذه من أهم خصائص الجهاز الصوتي في الإنسان.
ـ الضمور: أللغة وهي تنفصل عن اللغة الأم، تهمل مرادفات وتستخم بعضاً منا.
ـ تركيب المفردات
ـ النحت : المجتمع ينحت مفردات جديدة.
ـ الإستعارة : تستعير اللغة مفردات من لغات أجنبية، واستخدامها كما هي أو تحويرها.
بعد أن نتثبّت من معناها الفكري ننزل إلى تاريخ لغتنا ـ كما قلنا نمد خطاً عمودياً ـ على مراحلنا الحضارية. نرى أن المفردة تفيد معنى التدليك ، حسب القاموس الإنكليزي. علينا تحديد معنى المفردة من مصادر شتى، نرى أن المفردة تعني المسح بالزيت أيضاً.
ألمرحلة العربية لدينا فعل : مسح يمسح فهو مسيحٌ، (ألسيد المسيح، ماسح للخطيئة وفق المفهوم الإيماني المسيحي)
المرحلة السريانية في أغلب الأحيان صوت (السين) يكون (شيناً): ماشايا أو ماشويو، مشيحو، ماشيحا(وجب التنويه كاتب هذه الأسطر لا يحمل غير العامية السريانية، عامية مدينة بغديدا أو ما تعرف ـ خطأً بالإسم التركي ـ قره قوش).
Frogo
في القاموس الهولندي ـ السرياني : يترجم المفردة إلى(فروكو كما أعلاه) ويمكن قراءتها حسب ما أعتقد (فروكو) أي من فعل فرك يفرك. رغم أن هذه الترجمة تفي بالغرض، لكن يبدو واضحاً المؤلف يسعى ـ مشكوراً ـ إلى تلبية أمور الجالية السريانية دون التفقه طويلاً بالمعنى.
في القاموس العبري : نقرأ:
ُisoeje
(هنا سوف أخمّن تخميناً ، أي الكلام لا ينال الصفة العلمية): إذا كان حرف الـ(إس) تلفظ شيناً يمكن قراءتها (إيشويَ ) فتحة على الياء، وتكون نفسها في السريانية (العامية) يعني المسح، نلفظها بالسريانية العامية (أ شويْ).
المرحلة البابلية
نرى طقس عند البابليين يسمى (مسْ في) (1) ، كلمة (مسْ) تعني الغسل وكلمة (في) تعني الفم، وبالتالي يكون المعنى: غسل الفم، أي بالإمكان القول مسح الفم .
........................................................................................
1 ـ ديانة بابل وآشور ، هوك. س. هـ /ترجمة نهاد طربية ، دمشق، ط 1 ص 92
Massage [ Masaazje] /de/ هنا في اللغة الهولندية، المفردة الثانية الكلمة حسب لفظها صوتياً
في اللغة الهولندية تلفظ ماساشجا، بإطلاق الألف ـ لأن حرف (إي) الأخير في اللغة الهولندية يلفظ كالفتحة في العربية ـ (بين الشين والجيم) أي المرحلة السريانية. يُعتقد خطاً إنّها فرنسية الأصل، مثلها مثل المفردات التالية:
Garage خاراشجا (كراج) , bagage (حقائب ولوازم السفر ) باخاشجا
1 ـ أولاً معنى الكلمة ...يدلك بالزيت أو يمسح بالزيت
2 ـ نرى أن الزيت في السريانية العامية إلى الآن نسميه (مشْخا)، والمسح بالزيت (مْشاخا)
ألمثال الثاني كطبيق للمنهج، المفرد الحالية (أي الوقت الحاضر):
Kreek
في اللغة الهولندية نصل إلى شكل أقدم (تاريخياً) بكثير:
Griekenland
يمكن لفظها بالسرياني القديم (خْريقون لَنت) أي الشيء أو المكان الغارق، أي الجزيرة وشبه الجزيرة. مختصرها اليوم لفظة (العراق) ـ غرق يغرق غراق (غراقو، غراقا)، حيث هذه التسمية جاءت من جزيرة أوشبه جزيرة في جنوب العراق قبل إنحصار الماء، وليس كما يعتقد البعض ـ خطأً ـ أن كلمة العراق فارسية .
أبواب الإستعارة (أي المرحلة التاريخية والمكان التي أستعيرت المفردلت من أمتنا)
Erea (أرض ، مساح ) ( بالسريانية العامية آرءا)
Aarde (باللغة الهولندية أرض) (باللغة العربية أرض)
ألتشابه اللفظي
ليس التطابق اللغوي ـ أكيد نجد تطابق جزئي أو أحياناً كلي ـ هو المنهج السليم. قد نجد تطابق لفظي بين اللفظة الإنكليزية وعدة ألفاظ عربية فأيّهم نختار؟! من هنا تكون منهجيتي هي الحل.
هكذا ذهب (د. نبيل الجنابي) في كلمات عديدة منها كلمة
Halloo
فقاربها لفظياً وجعلها مأخوذة من كلة (حُلُو)!!
لا أرى أي تقارب معنوي بين المفردتين. فإذا ما إتّخذنا (منهجيتي) وذهبنا إلى القاموس الإنكليزي نرى أن كلم