
|
سريان ، كلدان ، آشور ولفظة (بخديدا) العجيبة نذير حبش
بغديده هي مدينتنا الوحيدة، من حضنها خرجنا وإليه نتمى العودة. كل مدن العالم نعرف أنها مؤنثة ، وكذلك مدينتنا بغديده ، إلاّ هذا النطق (بخديدا) الذي يوحي للمستمع بأنها إسم مذكّر ليس لدينا سوى مدينتنا الغالية فعلينا أن نتفق بشكل علمي على طريقة نطق وكتابة إسمها. فالإسم يختصر الهوية ، ومن أجله يدور صراع ليس خفياً على أحد ما بين أتباع التسميات الثلاث : سريان ، كلدان ، آشور قلنا نحن نسعى إلى العلم لا إلى المهاترة، وهذا لصالح حضارتنا و طلبنا توثيق لفظي (صوتي) للمفردة (بخديدا) ، ونكررها (توثيق لفظي ، أي صوتي) لمقاطعها الصوتية وكيفية نطقها، أو كيف نطقها أهلها من قبل ، إن كان من قِبل مؤرخ من أهل البلدة نفسها ، أو غريب مرّ بها (ووصف لفظياً ) كيف ينطق أهل بغديده إسم مدينتهم. وهذا متعارف عليه عند المؤرخين والكتاب. صحيح أن إسم بغديدة ذُكر في الكتب والبحوث، وهذا يدل على وجودها كمدينة قائمة. لكن لا يشير على شكل وطريقة نطق تسميتها. ومن هنا نجد هذا التوثيق لوجودها كمدينة مكتوب بأشكال متنوعة. وإذا كان المقصود من البحث المنشور : أللغة الآرامية ولهجتها السريانية ، على موقع (بخديدا) للباحث ( ألدكتور أمير حراق ، أستاذ الآرامية والسريانية ـ جامعة تورنتو، رئيس الجمعية الكندية للدراسات السريانية ) ألذي يذكر إسم مدينتنا على نحو (بخديدا) ، فحاله حال كثير من الباحثين التقليديين اللذين يبنون بحوثهم على معطيات قديمة دون نظرة نقدية تحليلية. ولا نريد أن تكون هذه المقالة مقالة نقدية على مضمون ما جاء في بحثه، لكن فقط للتدليل على كلامنا، فالباحث لا يتعدى ما ذهب إليه من سبقوه بأن الآشورية لفظة دالة على القومية وهكذا نجده يذكر اللغة الآشورية ، علماً أنه لو كان إنطلق من أساسيات الموضوع في دراسته لوجد أن ( لفظة آشور ) الحالية تدل على ديانة واللغة لا تُنسب إلى الديانة. فلا يوجد مصطلح اللغة المسيحية أو اللغة الإسلامية. بل هذه البحوث التقليدية المبنية على معطيات قديمة خاطئة تصبح هي الأخرى غير دقيقة، لأن ما بُني على خطأ فهو خطأ قد ساوى الباحث بين إصطلاحين لو تلاقت السماء مع الأرض هما لا يلتقيان : كلمة سريان وآشور. فقد إستسهل الأمر على الرغم من علمه بذاك الإختلاف اللغوي في شكل المفردتتين Syria Assyria يقول الباحث (( كلمة إشر تشير إلى آشور وسوريا معاً والإغريق سموا الخط الآرامي ب Syria grammata وقد أسقط الحرف الأول من أسّيريا مما يدل على أن أسيريا وسيريا متجانستان ، ومتبادلتان ، ويضيف ، وإعتقاهم هذا منطقي ، هنالك حالات متشابهة حيث تسقط الألف في بداية الكلمات خاصة الأسماء )) لم تسقط فقط الألف فالباحث أهمل صوت السين حيث هي مكررة . ووفق منهجيتي في قراءة المفردات السريانية الأوربية بشكلها السرياني الرافديني القديم هو مبدأ قراءة الحرف المكرر كما هو: يمكن قراءة المقطع الأول عسس، أسس أو إسس وكذلك المفردة التي ذكرها وهي : قرام ـ ماتا، أي كلا الميمين يلفظان يسترسل الباحث (( والخلط بين كلمتي آشور وسوريا منطقي أيضاً .... لذا فتسمية الآرامية بالسريانية متأتية ليس من المصري المتأخر بل من المصادر الإغريقية حيث ترادفت تسميتا أسيريا وسيريا كما ذكرنا )) مما لاشك فيه قد فادنا الإغريق بالتوثيق الدقيق للمفردتين المختلفتين وليس كما ظن الباحث خطأً. أما سوريا فهي التي إستمت التسمية من مفردة الشرقي .
الإشارة اللغوية للفظة آشور وتتبعها ضمن أشكالها المتعددة في اللغات الرافدينية واللغات الأخرى. لو عدنا إلى القاموس اللاتيني سوف نجد إصطلاحين : كلمة آشوري ,وإشتقاقاتها يعطيها بحرفين مزدوجين من (س) أو (ش) أي (إس) وتبدأ بصوت حنجري (أي) كالتالي Assyria –assyriae – assyrius قد تكون قادمة من إسم الإلهة (عشتار وإشتقاقات الإسم وتنوعاته) أو من إسم إله أو إلهة أخرى قد يكون إلهً مصرياً ، أو إغريقياً.
أما اللفظة الثانية والتي تدل على السريانية ، فهي لفظة بحرف (س) أو (ش) واحد ، كالتالي مع بعض إشتقاقاتها: Syracus – syracusae
هذه اللفظة تشير إلى القومية ، قوميتنا السريانية ، وهي تعني : شرق وشرقيون. وهي واضحة لي تمام الوضوح وكأنها بعربية اليوم، بعد إزالة المقاطع الإشتقاقية، لكن لا أريد كسشف بعض أسرار بحث آخر هو قيد الإنجاز. وهي من أفضل التسميات القومية التي تجمعنا ، لأنها لا تشير إلى العرق بعينه بل تشير إلى جميعنا نحن اللذين سكنا بلاد الرافدين، أي أنها خارجة عن أية صورة شوفينية . من هنا أنا شخصياً أستخدم مصطلح اللغة السريانية ، أي هذا المصطلح الذي يجمع كل لهجات وأقسام لغتنا الرافدينية
أما اللغط الحاصل حول تسمية (الكلدان) ، فما يجب معرفته بأن هنالك ( فاصلة تاريخية) بين لفظتي (كلدان)، ومن هنا الإلتباس الحاصل. Chald – chaldaea هذه التسمية ـ لـ ( ثلة ) من أجدادنا الآراميين السريان ، عُرفوا بإشتغالهم بعلم التنجيم والفلك ، وعندما آل إليهم الحكم عُرفت الدولة بإسمهم. وقد يذكرنا هذا بمقولة إفلاطون (( بأن يحكم الفلاسفة أو يتفلسف الحكام )) . قد ينطبق هذا القول على أجدادنا السريان اللذين عُرفوا بالكلدانيين كتسمية فرعية لا غير.
من أين جاءت تسمية الكلدان الحديثة مرة أخرى ؟ ألإنشقاق المذهبي الذي حدث في الديانة المسيحية وما نتج عنه من مذاهب كان نتيجته أن جماعة من (فئة) ، ألمعروفة بالآشورية خرجوا على مذهب إخوانهم ودانوا بالكاثوليكية ، وأرادوا تمييز أنفسهم عن إخوتهم فإختاروا الكلدانية إسماً لكنيستهم. وهذا ما أدى إلى اللبس في أصل الكلدان ، فمن يجدهم آشوريين والآخر آراميين سريان . والحقيقة أن لكلا الطرفين سند فيما يذهب ، بالفعل كما قلنا قسم قليل فقط من الآشوريين حملوا تسمية الكلدان الجديدة أو لنقل الحديثة ، بينما التسمية الأولى الكلدانية فقد ينضوي تحت إسمها الآراميون السريان. وكما قلنا فبالتالي ألكل سريان لأن لفظة سريان تنطبق على جميع أولاد بلاد الرافدين الشرقيين. ولو كان المنشقون إلى المذهب الكاثوليكي قد إكتفوا بتسمية كنيستهم بالكاثوليكية لما ظهرت من جديد تسمية كلدان
أما عند إنفصال الإخوة فلنا مثال في إخوتنا ألإسلام في تفرقتهم ما بين شيعي وسني، نجد أن الشعي يعتمر فوق رأسه مانع التفكير على شكل حلقتين بينما السني على شكل حلقة واحدة
كما قلنا ما بُنيَ على خطأ فهو خطأ، ألكتاب اللذين يعومون على عوم العامة ، أو يتبعون كتابات خاطئة لمن سبقوهم من الباحثين، فهم أيضاً يقعون بالخطأ ذاته وإن كانوا يتبعون التقنية السليمة في البحث العلمي وحتى نزيل كل إلتباس سوف نستعين بباحث بغديدي شهير من أجل البحث الآن في لفظ (بخديدا) ، ولو أنني أفقد موضوعيتي حينما أصل إلى هذا الباحث، لأنني أقدر له تعبه لبغديده وهو الدكتور بهنام سوني يسرد لنا الأشكال المتعددة للفظة بغديده عبر التاريخ المكتوب والمعلوم حتى اللحظة (( باخديدا ، باخوديدا، باخوديدات، بخديدا، بخديده، بخديدي، بخوديدا، بغديده ، بغديدِا، بوخددي، بوخديدا، بوخديده، بوخديده ، بوخدرا، بوديرا، بوغديده ، بيث خدد، بيث خديدا، بيث خديده، بيث خود، بيث خوديد، بيث خوديدا، بيث خوديدا، بيث خوديدد، بيث خوديده، بيث خوديدي، بيث خوديدي، بيث خوديديا، بيث ديتا، بيث ديدا، بيث كذوذي ، بيت كدودي، بيث كوديدا، بيث كوديديا، خوديدا، خوديدا، خوديده، خوديدي، خوديديا . ( بغديدا في نصوص سريانية وكرشونية وعربية وأجنبية .... ط 1998 روما ص 36 )) بينما يختار الباحث الدكتور سوني إسم (بغديدا) ويفضله على باقي الأسماء ، معتمداً على ما كتبه ناسخ (بغديدي) في هامش على مخطوطة فاتكانية والمنسوخة بعد سنة 1220 م، والعائدة ملكيتها إلى بغديده ويضيف الدكتور سوني (( في هذا الهامش تسمى قريتنا : (هنا كتابة بالسريانية ) " بغديدا" . وما زال الكلام للباحث سوني ، وهذا النص حملنا على إنتقاء هذه التسمية. ألمصدر السابق ص19
هذا النص والناسخ نفسه لكان ذو قيمة علمية حقيقية لو حقاً قام بوصف لفظي لكيفية نطق أهل القرية لقريتهم، وللأسف الشديد هذا ما لم يفعله الناسخ، فأصبح حاله حال كل اللذين ذكروا مدينتنا ودوّنوها دون أن يصفوها وصفاً صوتياً. أي أن إختيار الباحث سوني هو دون سند علمي سوى ما يبدو للقاري بوضوح ، أنه إنتقى من بين كل التسميات، التي لا واحدة منها لها ما يوثقها صوتياً ، إنتقى الأقدم، وهذا لا يعطي للتسمية أية مصداقية علمية، فماذا يكون موقفنا لو في المستقبل القريب إكتشف الباحثون تسميات جديدة مخالفة والأدهى من ذلك ـ وهذا ما يدعوني للعجب، لأنه من المفترض بالدكتور سوني كان عليه أن يوثق إسم مدينته في اللحظة الراهنة ( لحظة البحث) حسب نطق قاطنيها لأسمها ـ أن الباحث الدكتور سوني لم يقم هو نفسه بذلك ، وهو على أعتباب ـ حينها ـ على أعتاب القرن الواحد والعشرين بتوثيق صوتي لكيفية لفظ إسم مدينتنا بغديده من قبل أهلها وقاطينها، فما بالك بناسخ قبل قرون مضت يبدو لي شماساً تقليدياً ، ميزته عن أهل البلدة أنه يعرف القراءة والكتابة
هل نستطيع أن ننكر قيمة التعليم والشهادات في يومنا هذا ؟ مهما يكن فإن حامل الشهادة وإن لم يبوّب ضمن خانة المبدعين لكن لا يمكننا إلا أن نصفه بالمتعلّم، وهذا ليس بقليل. ومع هذا نجد المتعلمين ، لا بل المثقفين والمبدعين ، تتنوع وتختلف كتابتهم لأسم مدينتنا بغديده !! فكل من يذكر إسم المدينة دون وصف لفظي لها ، حسب أهل البلدة ، فإنه ذاكرٌ لوجودها كمدينة قائمة لا غير. وما دعوت إليه هو البحث عن الوصف الصوتي لأسم مدينتنا بغديده إن كنا لا نملك ، حتى اللحظة في الأقل هذا التوثيق ، فعلينا أن لا نكابر وأن نتبع الطرق العلمية السليمة وهو الرجوع إلى المجتمع الذي يوثق صوتياً إسم المدينة ويحفظه من خلال نطقه اليومي الطبيعي لها. في أيامنا هذه أصبحت أجهزة التسجيل الحديث تساعد على معرفة ووصف النطق، ويمكنكم فعل هذا أينما وجد البغديديون، من خلال إختيار ما أمكن من الأشخاص من مواليد بغديده وإجراء إختبار وتوثيق للفظ إسم مدينتنا. والبدء بداية سليمة، خير من الإستمرار بشيء ،لا أقول أنه خاطيء ، بل ليس علمياً ولم يثبت حتى اللحظة صحته
قد نجد كتابات بالخط السرياني نفسه لإسم بغديده ، أو باللغة العربية أو غيرها من اللغات، لكن هذا لا يعتبر توثيقاً صوتياً كما قلنا. لا نطالب السير في مجال كل العلوم على السراط المستقيم، لكن في الأقل لنتفق بشكل علمي على كيفية كتابة إسم مدينتنا، قبل أن يأتي أعمامنا الآشوريون ويغيّرونه إلى إسم آخر، وأنا جاد بما أقول ولست مازحاً
|