ألعلم يُستبين ، لا يُستفتى عليه

( إلى موقع بغديدا الجديد )

 نذير حبش

قرأت خبر في موقع عنكاوا كوم قبل فترة ليست بقصيرة، وكان مفاده إنشاء موقع جديد تحت إسم مدينة (بغديده). وإعلان عن إجراء (إستفتاء على) عنوانين: (بغديده) و (بغديدا). وجدتها فرصة لكي (أحاول معرفة) إلى أي مدى أوصل العهد السابق مجتمعاتنا من الجهل ، أو إن كان ألعكس، إلى أي مدى إستطاع الإنسان العراقي أن يتجاوز ذلك العهد المتخلف. للأسف كانت النتيجة غير مفرحة، وإن لم يكن هذا يشكّل مفاجئة لي

كنت قد كتبت مقال بصدد إسم المدينة، ويبدو لي بأن القائمين أو اللذين عملوا ـ ويُشكر جهدهم مقدماً بلا تملق ـ لكنهم يبدو أنهم وقعوا في خطأ آخر، إذ يبدو لي بشكل واضح أنهم إنطلقوا من حسن النية، وربما الأجواء السياسية الحالية الجارية في بلدنا الغالي العراق،  إستحضرت في ذهنيتهم مصطلحين، أللذان يضغطان على فكر الشخص دون إرادته وهما : ألإستبداد والديموقراطية

يبدو لي أنهم ـ أي اللذين أنشأوا الموقع ـ كانت نيتهم إتباع مبدأ الديموقراطية، ومع شديد الأسف أقولها، لأن المجاملة على حساب الحقيقة، وهي مقولتي التي أرددها دائما: ألمجاملة على حساب الحقيقة جريمة ـ قد أخفقوا في فكرتهم وتوظيفها، لأن الديمقراطية لم يكن مجالها في هذا الموضوع، وأقصد إختيار الإسم للموقع على أنه الإسم المعبّر لأسم مدينة (بغديده)، الذي فهمته كموقع لأهل المدينة كما كانت لهم مقهى في بغداد، أي خارج بغديده

يكون صحيحاً فقط إذا قلنا أنه إسم موقع جديد لا غير ـ إقترب أو إبتعد عن إسم المدينة، لا ضرر لأنه ليس الإسم العلمي لها. كما نشاهد في الأفلام المصرية مثلاً إنشاء شركة لسعيد صالح مثلاً تحت إسم .. سعيدكو للتجارة

ألحقيقة العلمية لدي في الأقل تقول أن العلم لا يُستفْتى عليه. فهذه الأمور تحدث في عالم السياسة ومجالات أخرى، وهذا شيء راقٍ. لكن العلم يُستبْين عليه من خلال الإستبيان والإستقراء والإختبار للواقع والمعطيات العلمية القائمة، اللازمة لتحقيق الغاية العلمية ـ موضوع الدراسة والبحث ـ وفرق شاسع ما بين الإستبيان والإستفتاء

فلا أحد ـ وأولهم أنا ـ يملك الحق في تحديد إسم (بغديده) أو أية مدينة كانت مهما كانت مكانته العلمية أو الإجتماعية إلخ  إنما الطرق (المناهج) العلمية وحدها. وهنا يأتي (منهج) الإستبيان وذكرته، إذا لست مخطئا، في مقال على موقع (بخديدا) أي أن نأخذ عينة ، أو نجري إستبيان على عينة في كيفية اللفظ للكلمة في اللحظة المراد توثيقها. كما يلفظ الأب والأم والأطفال في البيت كل يوم في البيت والمدرسة وفي المجتمع، في حالة الإنسان على سجيته ـ أي دون تمثيل أو تحريف ـ كما يلفظها الشخص بطريقة ما أمام الغرباء ، عراقيين كانوا أو أجانب. ربما نحرف أمام هؤلاء اللفظة، إنما (الإستبيان) يكون بإخذ عينة ـ كثُرت أو قلّت لا يهم ـ وتسجيل كيف يلفظونها الأشخاص بالشكل الطبيعي، ويمكن ذلك من خلال توجيه سؤال يعده باحث فطن  ـ حتى دون أن يدع المقابل معرفة ـ ما هي الغاية العلمية للسؤال، ليضطره على نطق كلمة (بغديده) في جوابه، وتسجيل الحديث، وأيضاً تسجيلات سابقة، إذا إمتلك الشخص، لأحاديث أشخاص تظهر اللفظة في أحاديثهم. وبعدها يقرر الباحث بشكل علمي كيفية نطق الناس لإسم مدينتهم، بالوصف العلمي الدقيق، بعد تثبيت النسبة المئوية

كنت شخصياً قد كتبت حسب الخبرة المعاشة والإستقراء على تلك الخبرة. والمنهج العلمي هو الذي يقود الشخص والأمم إلى التقدم، إن كنا نريد تحديد (لفظة) ما، أو الوصول إلى القمر. ولا تصتصغر نفسك، قد تكون مهندس أو عامل على آلة ميكانيكية، وبإتباع المنهج العلمي قد تصل إلى أمور علمية في غاية الأهمية

ومقالتي هذه شعرت كأن هنالك خطأ في الفهم لمقالتي السابقة وحدث خلط ما بين الإستبيان والإستفتاء. ولا أخفي سراً إنني إطلعت على الخبر من موقع عينكاوا وكان أحد الإخوة قد إختار اللفظة الصحيحة ـ حسب رأي وكما قلنا رأي شخص واحد ، أقصد رأيي الشخصي ، ليس علمياً لوحده ـ وبذلك كان قد أوحى للجميع ما هو الجواب السليم .  ويبدو أن قرار إستفتاء كان بيد لجنة وليس بيده فقط. وكنت قد قررت الإبتعاد عن التدخل في شؤون المدينة وتركها لأهلها

 ولهذا أعود وأقول: وأما الإستفتاء يمكن في مجالات السياسة وغيرها وليس في مجال العلم . فنحن لا نستطيع أن (نستفتي) إذا ما كان القمر يدور حول الأرض أم الأرض تدور حول القمر، ولا هل الماء عديم الطعم والرائحة أم له طعم ورائحة، ونرى أن 90 بالمئة من نتائج الإستفتاء، تقرر إتجاهاً ما ، ونصحو على حقيقة علمية جديدة تذهل العلماء!!

ألحقائق العلمية ليست دستوراً أو قراراً أو إسلوب حياة لمجتمع يرغب أن يتبعه في حياته حسب رغبته، إنما الحقيقة العلمية يُستبين عليها ـ وكل علم وموضوع حسب منهجيته العلمية التي تخصه ـ  ولا مجال لرغباتنا في حقيقة أمرها. ألمادة الفلانية  ـ حسب المنهج التجريبي ـ تدخل المختبر ونعرف أنها سامة وقاتلة، رغبنا بذلك أم لم نرغب، فلا تأثير لرغباتنا على حقيقة خواصها العلمية

ألدساتير تتغير والأمم تزول وتستطيعون أنتم أيضاً، تصحيح الخطأ، إذا رأيتموه أنه خطأ ـ الذي سببه إستفتاء وليس إستبيان كما أرى ـ وإتباع الإستبيان العلمي، هذا إذا كنتم تقصدون في عملكم هذا، إيجاد عنوان موقع على إسم مدينة بغديده. أخذ عينة من أطفال وكبار ما أمكن وثم معرفة اللفظة وإخراج النسبة المئوية. لأن الشخص أقصد الإنسان الفرد، له خصوصيته بشخصه وذاته، فلا تنتظر من نتيجة الإستبيان نسبة مئوية كاملة مئة بالمئة. فمن الأشخاص من له عوَق خلقي في اللفظ، وآخر في..

وأخيراً العلم لا يتبع الأمزجة وهو للجميع حسب مقولة كامل الدباغ. وأذكّر كل اللذين إختاروا لفظ بغديدا أن يتذكروا أنفسهم كلما نطقوا لفظة بغديده وهم مع بعضهم البعض أو جالسين في بيوتهم ويجرون تقييماً ذاتياً لأنفسهم. وأخيراًعلينا معرفة عقلية الإنسان الشرقي عند الخطأ، فهي لا تتزحزح عن موضعها قيد أنملة ، لأن الشرقي يرى في نقد الذات مدحاً للعدو!