من ورقة بن نوفل
مطالعة في الفصل الثاني من أسماء بغديدا للدكتور ب. سوني
مطالعة في الفصل الثاني من (أسماء بغديدا)
في (بغداد)، عاصمة اليوم، يكمن سرّ (بغديدا) عاصمة الأمس وبالعكس: ن، حبش
إذا ما ُفتحت أبواب الحرية للبحث العلمي تهبّ عطاشى العلم إلى منهله، فلا ارْتوى عالم في سرّه، ضمآن يهرع لاهثاً إلى بحره، ويعود القهقرى أشدّ ضمأً إلى أوراقه ومحبرته
نرى مبدعي بغديده انتشروا في كل اتجاهات العلم، أللسانيات ،الآركيولوجيا، الفكر ،الشعر واللأدب، وهذا ما يثلج الصدر.
بالإضافة إلى العلاّمة سوني (1) إطّلعت على مقالة (تاريخ بخديدا) للآثاري المحترم (متي بابا) (2) ولا أدري إن كان بغديدي أم لا، لكن في الأخير كل الجداول تصبّ في بحر السريانية. أود أيضاً في هذه المقالة أن أنوّه على أنّها ليست مقالة نقدية على نصٍّ بعينه، بل الخوض في (منهجية البحث العلمي ذاته)
ما تصلنا من مفردات عبر التوثيق الجامد لا يمكن الإعتماد عليها كما هي في متن المخطوطات. لأن النص جامد إنّما اللغة كائن حي، ديناميكي في حالة صيرورة دائمة لا تعرف الإستقرار على حال (3). هذا ناتج من طبيعة خواص ((ألجهاز الصوتي)) للإنسان. ألذي لا يمكننا السيطرة عليه والتحكّم باللفظ. أي أن قوانينه تقع خارج سيطرة إرادتنا البشرية من هنا كانت اللغة في (تحوّل) مستمر. من لغة إلى لهجة، ومن لهجة إلى لغة، وهكذا دواليك. ** بالطبع أن قصة برج بابل وعلاقته باللغات ليست أكثر من إسطورة فجّة من تخبّطات الفكر البشري في بداياته
إن لم يكن النص الذي يصلنا يقدّم لنا كامل الحقيقة، فما هي الأدوات التي بواسطتها يمكننا الوصول إليها، أي حقيقة النص؟ ألجواب على هذا السؤال هو الإستعانة بقوانين علم الصوت للوصول إلى حقيقة لفظة ما، وتتبّع ما جرى من تحوّل للأصوات بشكل علمي فيها
في العراق ليس عبثاً أن نرى مدينتين تحملان الأسم ذاته، مع بعض الإختلاف البسيط جداً. فاسم العاصمة (بغداد) هو ذاته يعني (بغديدا). في رواية تنطلق من بغديده نقرأ ((في بلدة بغديده، عبق التاريخ، بنت النمرود (كالح)، قرية عراقية ـ من قرى بلاد الرافدين ـ ما زالت تحتفظ باسمه الآرامي (ألعربي/ألسرياني/ألآشوري)، وسكانها الآراميين (ألعرب/ألسريان/الآشوريين)/ كما يُسْتَدَل من إسمها المختصر المدْمج. إختفت أصوات ، وتحوّلت أخرى، وفق قوانين علم الصوت، أما للخفّة أو للتناغم الصوتي أو غيرهما، حتى وصلت إلينا على النحو الذي هي عليه اليوم. في اللهجة السريانية القديمة (بغديده) وفي اللغة السريانية الحديثة ـ أي اللغة العربية (القادمة من اللهجة السريانية) ـ بغداد)) (4)
أللغة العربية كانت لهجة من لهجات السريانية. وقد تكون أخذت التسمية ـ كنظرية أولى كما نعتقد ـ من الجهة (ألغرب). أي السريان في بلاد الجزيرة، اللذين لم يلتحقوا بالمهاجرين من أعمامهم إلى الشام وبلاد الرافدين(5). وقد لعبت الصدفة والقدر أن يكون (القائد) الموحّد والمحرر لبلاد الرافدين الرسول محمد (النبي) # من متكلّمي هذه اللهجة، فإتّخذها ـ ومن جاء بعده ـ لتصبح لغة الكنائس والدين. أمّا النظرية الثانية فقد تكون التسمية نفسها اللفظة (آرامويو) أو (عارامويو)، أي الآرامي، وقِيسَ صوت الميم على الواو فتحوّل إلى صوت الباء
…………………………………………………………………………………………………...
* للأمانة العلمية، ومن أجل الإقتباس العلمي، ( ألمقالة الأولى) كانت أيضاً مقتبسة من الكتاب نفسه/ حبش، نذير /(بحوث ومقالات قصيرة)
** ألثّبات الظاهري للّغة ، أي ثبات النص كتابياً، هو ثبات مصطنع، بواسطته إستطاع الإنسان السيطرة على اللغة المتحوّلة أبداً، والتي هي وعاء الفكر والحضارة ، وبعد هذا الإختراع ، أي الكتابة، إستطاع الإنسان تسجيل الخبرة الفكرية البشرية وتثبيتها ، وتلقينها، والإستفادة منها، وبالتالي التقدم. فالحقيقة العلمية للّغة هي اللغة المنطوقة. (ألمؤلف
# أُشتقّت كلمة النبي من كلمة (نابوؤو)، أي ما يظهر من النبتة أوّلها ، وهكذا تعني القائد أو الرئيس مضافاً إليه الصفة الكهنوتية. فالنبي كان يجمع بيده جميع السلطات ، ألدينية والمدنية. المؤلف
كثيراً ما ننسب التسميات ـ خطأً ـ إلى أسماء أشخاص، قد نخترعها إختراعاً من مخيّلتنا، كما هو الحال في نسبة ( العرب)
إلى (يعرب). فهذا يجافي الحقيقة العلمية والتاريخية. فنسبة العرب إلى (يعرب) كان وراءها دوافع سياسية. إذ أحياناً تقتضي الظروف السياسية تجاوز الحقائق العلمية. فحاجة الساسة لتثبيت الهوية السياسية للعرب دعتهم إلى إختراع يعرب
أمّا كلمة (بغداد) هي ذاتها إذن (بغديدا) ، بعد التحول في صوت العلّة القصير (الفتحة) (بغدَد) إلى الصوت الطويل ليصبح ألف طويل (داد). وهذا التطور طبيعي إذا ما تتبّعناه في اللغة العربية. فكلّما نزلنا بالتاريخ إلى الماضي نقترب من اللغة السريانية. ولنا عشرات الأمثلة في القرآن الكريم ذاته، الذي يُعبّر عن مرحلة وسطى ما بين السريانية والعربية. فمعظم المفردات التي تُلفظ ألفاً طويلاً دون أن يُكتب الألف، وإذا ما أعدناه إلى الخط السرياني (النبطي) الذي كُتب به نستطيع أن ندرك هذه الحقيقة. نجد أمثلة على ذلك في لفظة (طه)* (6) . فلفظة طه (اُدغم الواو وضَمُر، فاللفظة تعني الحسن (طوه)، مدّ صوت (الفتحة القصيرة) ، وهي صفة أُطلقت على الرسول (مُحْمد) (بدون الشدة)، و(محْمد) هي صفة تعني الحسن، قادمة من (محمود محمود محمود فهو محْمدٌ)، وبالتالي فاللفظتان مرادفتان لبعضهما البعض. كذلك الحال مع (غيبت الجب) (7) تلفظ غيابات الجب، إلخ.
عوامل مساعدة: برطلّة **
تُعتبر بلدة برطلة القريبة جغرافياً إلى بغديده، من حيث سريانية التسمية، ذات المقطع الأولي المدغم (برت) المشهور من حيث الإستخدام في اللغة السريانية للأعلام ـ على سبيل المثال الفيلسوف السرياني( برد ديصان). إذا كانت (طلّت أو طلّث) تشير حقاً إلى الرقم (ثلاثة) كما في اللهجة، فيكون الإحتمال في لفظة بغديده كما أسلفنا في المقالة الأولى (حو ـ ألواحد) أقرب إلى الدقّة، وتكون (برت أو بيت ـ حو ـ ديدت) أي ذات الواحد (ديدت)، وبعدها يتوجّب البحث عن معنى لفظة (ديدت)
نقرأ في الرواية نفسها حيث ينطلق كاتبها من بلدة بغديده ـ علماُ أن الرواية لا يمكن أن ترقى إلى الدرجة العلمية (وهي كذلك) في بحثنا هذا ـ لكن الكاتب يحيلنا إلى لفظة مستخدمة في يومنا الحاضر وهي (ديده) أي الضرع (ألنهد). نقرأ ((وقد تكون كلمة الثدي الآرامية (السريانية ) قادمة أو تشبيهاً بالنهر. فـ : ديدا (جمعها ديده أو ديدواثا حسب اللهجة) هو الثدي والنهر والإله معاً). فلم يكن النهر قديما ـ ولم يزل ـ إلاّ إلهاً مدرارا. فهي تغفو على سهل خصب، ذي التربة الحمراء بلون خبز( الرقاق) لبلاد الرافدين، المحمّص في التنور الفخاري، الذي لا يداني لذّته خبز على وجه البسيطة على الإطلاق. يمكن إعتبارها دلتا، قاعدتها من الشمال ورأسها في الجنوب. على بعدِ خمسِ وعشرين كيلومتراً من دجلة ، ((دجلة الخير)) وكالح (ألنمرود) الذي يمسّد على شعرها من الغرب، ونهر الخازر يقبّل وجنتها من الشرق، والزاب الكبير يعزف تحت أقدامها سمفونية الخصب من الجنوب. وليس بغريب أن يكون اسمها هو نفسه إسم عاصمة الوطن الحبيب، ملفوظاً بالسريانية القديمة، إسم جوهرة الوطن : بغداد ـ بنت دجلة والفرات ـ الحبيبة الدامية، أَتكون بغديده القرية، الحزينة، تبكي بصمت بغداد العاصمة، أٌتبكي بغداد نفسها ؟!)) (8)
أيّ نهر كان يجري في بغديده، وحيث الآن لا نهر فيها ؟ ربما كان جدولاً نضب عطاءه أو غُيّر مجراه كما فعلت ملوك عدة من قبل ؟
لست بمنجّم لكن البحث العلمي يجب أن يأخذ مداه. ألأسماء يمكن أن تُطلق على معْلًمٍ أو أي موضوع صاحب الشأن، ويمكن أن يرثه موضوع آخر. قد تكون بغديده معْلماً في غير هذا الموضع ، أي بغديده الحالية. وزحفت شيئاً فشيئاً مرّ التاريخ، وتغيّرت معالم أخرى على أساس تلك المعالم المندثرة، حازت على تسميتها الحالية
* لم يفلح المفسرون الأربعة/ ابن كثير، ألطبري، ألجلالين، ألقرطبي، في الوصول إلى معنى لفظة (طه). يقتربون إليها ويقرّون بسريانيتها (نبطية)، لكنهم يجمع معظمهم على أنها تعني) رجل). والبعض يرى فيها إسم من أسماء الله
إنّما (طه) هي صفة تعني (الحسن) للمُنادَى عليه، كما نقول اليوم (يا محترم) أو (يا طيّب). لهذا نجد الكلبي يقول: ((لو قلت في عكّ ـ كذلك لدى طي ـ لرجل يا رجل لم يُجب حتى تقول طه. أي تفيد كما قلنا الإحترام، ومن هذا المنطلق تصلح لأستخدامها كإسم من أسماء الله الحسنى.
** لم أستطع الوصول إلى أي مصدر يبحث لغوياً في معنى لفظة (برطلّة) فإعتمدت على اللهجة.
2
ما أود أن أختم به هذه المقالة، هو أن لا تجرّنا عواطفنا وننحرف عن (موضوعية) البحث العلمي. يجب أن لا تستهوينا كلمة (الرب)، وحباً بالمفردة، نحاول ليّ الحقيقة. فالمحبة للرب شيء والتقيّد بقواعد البحث العلمي السليم شيء آخر. علينا أن نهيّأ أنفسنا لأسوأ الإحتمالات. فقد تكون لفظة (بغديدا) لفظة لا تسرّنا ـ أقول هذا مجرد إحتمال علمي ـ فهذا شأن كثير من الأسماء. مع هذا ، حتى اللحظة ، لا يوجد ما يوحي بذلك بالنسبة إلى لفظة بغديدا)
لكن لا نعدم مثالاً على هكذا تسميات رديئة، كحال قرية (العوجا) . فهي تدلّ على كلمة (مشينة) أطلقها التكارتة الأصليون على ساكنيها لسوء سلوكهم.، بعد أن كانوا قد قدِموا من جنوب العراق قبل قرن من الزمان ونيّف. ولم يستسيغهم أهالي تكريت المسالمين، ألمتديّنين، فإنزاحوا عن تكريت تسعة كيلومترات، وأقاموا أكواخاً هناك. عُرفت بعد ذلك بلفظةٍ أُطلقت عليها نسبة إلى سلوك أصحابها: (أولاد العوجا) (9).
بيبليوغرافيا
1ـ ألدكتور سوني، بهنام(ألأب)/ بغديدا، نصوص سريانية وعربية وأجنبية من بداية القرن السابع إلى نهاية القرن التاسع عشر، الفصل الثاني، ص 19 ـ 36
2 ـ بابا، متي/ تاريخ بخديدا/ جريدة صوت بخديدا، عدد4 ، ت الثاني 2003
3 ـ حبش، ن/ جريدة الشرق الأوسط اللندنية ، 3ـ 1 ـ 2005 ، (فصل بين لغة البنت (العربية) ولغة الأم (السريانية) أدى إلى تخلّف الأمة) ، مقالة رداً علة مقالة الكاتب خالد القشطيني ((فاصلة بين كلمتين فصلت بين طائفتين))
4ـ حبش، ن/ ألأموات لا تظرف الدموع (رواية) ـ طبعة 2004، ص 10
5ـ د. إبراهيم حلمي، محمد/ تاريخ العرب ـ دار المنار المصرية، ط 2003 ص 12
6 ـ القرآن الكريم/ سورة (طه) ، ألآية الأولى
7 ـ ألقرآن الكريم/ سورة يوسف ، ألآية 10
8 ـ حبش، ن/ ألرواية السالفة الذكر، ص11
9 ـ ألزبيدي، إبراهيم/ دولة الإذاعة، سيرة ومشاهدات عراقية/ دار الحكمة ـ لندن ص 20
مهم
(1) نتمنى على اللغويين السريان إنزال قاموس (عربي ـ سرياني وبالعكس) على الإنترنت، وحبذا لو قُدّم لأبجدية اللغة السريانية وكيفية نطقها، خدمة للحضارة السريانية، ألؤلؤة التي يجب أن ترى النور.
(2) قد تكون المقالة القادمة (ولها صلة بالسريانية) : أخطاء في المهج / دراسة نقدية في منهجية (الدكتور نبيل الجنابي) في إعادة اللغة الإنكليزية إلى جذور اللغة العربية.
خاتمة القول في (أسماء بغديدا)
نذير حبش
قبل سنوات كنت قد إعتمدت في بحثي على اللهجة السريانية حيث أفتقر إلى الفصحى، وهذا مؤسف طبعاً ، مما يضطرني على الإعتماد على القواعد المنطقية، والتحليل اللغوي، وقوانين علم الصوت . تزداد قناعتي أكثر كل يوم، من أن (العدد) يلعب دوراً مهماً في فكّ (شفرة) لفظة (بغديدا)، إذا كانت قادمة إلينا من المرحلة السريانية. وما زلت أرى أن لفظة بغديده يتكون من مقاطع سريانية ثلاث، كما أسلفنا سابقا، [(بيت(ث) ـ(خـ) حو ـ ديدت)].
بعد جهد بسيط ـ على الرغم من أنني من عشاق الكتاب وليس الإنترنت ـ إستطعت أن أطّلع على بعض المصادر التي تبحث في إسم (برطلة)، التي إتخذتها كعامل (مساعد) في منهجي في فك شفرة اللفظة (بغديدا) من أجل تحقيق هدفي.
نرى أكثر من رأي يبحث في لفظة (برطلة) حيث لا أشاطرهم ما ذهبوا إليه من آراء. فأنا أرى أن (العدد) أيضاً يلعب دوراً أساسياً في لفظة (برطلة). فمن ذهب على أن معنى الأسم هو (إبن الظل) مثل الجواليقي. وعليه يستند (يوسف غنيمة) إنها من مقطعين الأول (بر) بمعنى (ابن) والثاني (طلا) بمعنى (الظل) أي ما معناه (ابن الظل). (1)
يرى الأصمعي أن النبط يلفظون (الظاء) (طاءً) فيكون المعنى (إبن الظل)، والفيء. في تصفح لرأي آخر نجد من يعيد لفظلة (برطلة) إلى (الصبي اليافع) دون أن يقدم أية مبرر علمي للتسمية. فهو يبقي على معنى (الأبن) المتمثلة في مقطع (با) لكنه يفسر (طلا) على أنها تعني الطفولة، ليصبح المعنى ـ بعد جزم (ط) حسب الباحث ـ (الصبي اليافع).
وهنالك من يعيدها إلى (بيت طلي) السريانية، أي بيت الأطفال. بل من جعلها (بيت طلا) بمعنى ابن الطل أو الندى، وكأننا أمام (أُحجية) يُراد فكّها. لدى الخوري (بطرس سابا) تتحول اللفظة إلى (بيت الموازين)! ، قادمة من (با) بمعنى بيت، و(برطلي) ـ هكذا أخذت من المصدر ، ربما هو خطأ مطبعي، ويقصد بالكلمة الثانية (رطلي)، الكاتب ـ بمعنى أرطال. (2)
هذا العرض لأهم الآراء التي قيلت في تفسير لفظة (برطلة) منشأنه إظهار مدى التخبط في تفسيرها من جانب، ومن جانب أخر ، تبيان أن كل هؤلاء المؤرخين والباحثين منهم، لا يملكون أدوات البحث العلمي السليم. أما منهم مؤرخ يوثق (لفظ) الكلمة في عصره ، أو باحث تقليدي، هو أقرب إلى المؤرخ منه باحثاً حقيقياً.
هذا التبسيط الذي نراه لا يمكن قبوله من الناحية العلمية بأي حال . فالآراء جميعها تنطلق من ( لحظة تفسيرهم) للفظة دون اللجوء إلى أدوات البحث العلمي المناسبة.
في إشارة لياقوت الحموي (متوفي 1223) (3) ـ بعد إعجابه ببقولها وخسّها ـ يبدو أن ياقوت الحموي كان من هواة الخمر والميسر/ الكاتب ـ ، وبعد أن يؤكد على أن المدينة تعتمد على الآبار في شربها، وفي هذ ما يجعلنا نتساءل من أين يأتيها وفرة الظلال والفيء ـ لكن في إشارة تسترعي الإنتباه في كيفية لفظ الكلمة، بعد فتح الباء في
( بَر) يؤكد على (ضمّ) (الطاء)، (( أما ياقوت الحموي المؤرخ المتوفي 1223م فيقول: برطلة بفتح الباء وضم الطاء وتشديد اللام وفتحها ...)) (4)، منها يمكننا أن ننطلق في تأكيد أن العدد (ثلاثة) يلعب دوراً في لفظة (برطلة) كما في لفظة (بغديدا). أي أننا يمكننا الإستنتاج بأن حرف العلة الضامر بعد (الطاء) هو (الواو) من لفظة (طولوثو) أي (الثلاثة)
من ناحية أخرى الـ (بر) في السريانية لا تعني بالضرورة (الإبن) في جميع الحالات. فقد تأتي مضافاً للصفة أو الحال بمعنى (ذو أو ذات الـ...). وإذا ما تبعها مضافان إليها في أغلب الأحوال يُختصر المضاف إليه الثاني ويهمل ، بعد أن تصبح (مصطلحاً) كما سوف نرى في لفظة (برطلة) والأسباب التي تؤدي إلى ذلك.
(طولوث ، طولوثو أو طُلوثو) السريانة.
قد تلعب عملية (المقارنة) دوراً بارزاً في تسمية (بغديدا) و(برطلا) ، من خلال (النسبة) إلى بعضهما البعض ، للقرب الجغرافي بينهما. وهذا التقارن معروف لدينا بأشكال عدة ، مثل التمييز بين إسمين بواسطة (اللون) ، (الجهة) ، (العدد) (الحجم) إلخ كأن نقول (إسم شيء السفلى) تمييزاً لها عن (الإسم ذاته العليا) (الغربي والشرقي) وهكذ بالنسبة للون والعدد.
فهل يمكن أن تكون (برطلة) هي الأخرى تتكون من مقاطع سريانية ثلاث (مقارنةً) بجارتها (بغديدا) على النحو التالي؟( بر ـ طولوث ـ ديدت) مع تنوعات اللفظ لهذه المقاطع. كما قلنا أن المضاف إليه الثاني (ديدت أو دد) (يختزل) بعد أن يصبح معروفاً وشائعاً. فلا أحد يذكر كلمة (رجل) بعد ( أم الأربعة والأربعين) في كلامنا الشعبي، وهكذا. وصلت إلينا (برطلة):
برد ـ طلوتوت ـ ديدت
برد ـ طلوثو ـ ديدت
برطلو تت/دد
برطلت
برطلة
برطلا
Tagridis Moenia
كذلك أسقطت كلمة (قلعة) في لفظة (قلعة تكريت) القادمة من التسمية الرومانية ( التسمية أعلاه ، خلل كومبيوترى أو عدم خبرة) ، فاختزلت إلى (تكريت) فقط والتي تعرف اليوم بهذا الأسم. ((أما فيما يخص مدينة تكريت، فقد سكنت منذ العهد الآشوري ، ومن معالمها سورها القديم، أما إسمها روماني الأصل ( ) الذي يعني قلعة تكريت. أما العرب ـ السريان ذو اللهجة الغربية (العربية) ـ فقد استقروا في محيط دجلة والفرات الأوسط . لا تذكر تكريت إلاّ وقلعتها الشهيرة معها. وقد وصفها الرحالة ابن جبير بقوله (( ولها قلعة حصينة على الشط هي المنيعة)). وقرن ياقوت الحموي شهرة المدينة بقلعتها فقال ((ألبلدة المشهورة ذات القلعة الحصينة. بلد مشهور بين بغداد والموصل، وبينها وبين بغداد ثلاثون فرسخاً من غربي دجلة ولها قلعة حصينة. وذكر الباحثون أن حصانة القلعة كان سبباً رئيسياً في ورودها في المدونات الآشورية والبابلية. وتقع القلعة على مرتفع من الأرض يتراوح بين أربعين وخمسين متراً وتمتد طولياً مع حافة النهر، وكان يحيطها سور شاهق عليه أبراج..)).....
في الهامش نقرأ من المصدر ذاته حسب المؤلف (( واضح أن الإسم سرياني ـ آرامي ويعني دقلت أي دجلة. قد يكون صوت الراء قد تحول إلى صوت اللام للخفة وفق قاعدة (الإنسجام والتناغم الصوتي) [دقرت] في المرحلة الآرامية الأول(5). وبسبب تنوع اللهجات السريانية الآرامية، صوت القاف يتحول إلى الكاف، والكاف إلى الجيم، فبالتالي وصلت إلينا في المرحلة السريانية الحديثة (العربية) دجلت، دجلة.
بهذا المعنى (تكريت) تعني نفسها (دجلة)، بعد اختصار التسمية وحذف كلمة (قلعة). وإذا أردنا تقريب المعنى إلى كلمة تستخدم اليوم في إحدى اللهجات السريانية المتعددة في العراق ، من يحمل معه المرحلة الآشورية (ربما) قد تكون كلمة دجلة تعني : العظيمة . ألمؤلف )) (6)
ألمرحلة الآشورية
حتى الآن كنا نجوب المرحلة السريانية في البحث عن معنى لفظة(بغديدا)، لكن ماذا لو أوغلنا في القدم وولجنا المرحلة (ألآشورية) للمنطقة؟ هذا ليس بغريب أن تكون اللفظة قادمة من المرحلة الآشورية، فالمنطقة آشورية الموقع والحضارة.
ولأن الدراسات الآركيولوجية لم تتعد إلاّ النزر القليل القليل في دراسة تاريخ الحضارة الرافدينية ومنها الآشورية ، لأسباب معروفة ، حتى يومنا هذا. لهذا يكون من المجازفة التسرع في الحكم في قضايا من هذا النوع. لأن ما (يُستحدث) من الدراسات الآركيولوجية في كثير من الأحيان تنسف ما سبقها جملة وتفصيلاً، لهذه الأسباب، ألأأمن لنا أن نبقى في دائرة التحليلات المنطقية لما هو متوافر من دراسات ومعلومات عن المطقة.
لقد عُبد الإله (حَدَد) ، إله العاصفة في المرحلة الآشورية في أماكن عديدة (7). و(بغديدا) التي ليست أكثر من تخوم (كالح النمرود) من المنطق أن يكون للإله (حدد) (بيت) أي كما يُعرف باللفظة السومرية الدخيلة الغير ااساميّة (هيكل) وإذا كان لـ (حدد) (بيت) فلتكن (بغديدا) قادمة من (بيت حدد). ووصلت إلينا بعد الإختزال والضمور بشكلها الحالي ، وتنوعات لفظها من قبل (أهل المنطقة الأصليين والدخلاء (بغديدا..بغدد..إلخ).
إن كان لي حق الكلمة في خاتمة هذه الجولة البحثية فلن أدعي (الصواب المطلق) ـ فلست بتلك البلاهة كي أدعي ذلك ـ لما ذهبتُ إليه في تحليلاتي. بل هي محاولة لفك طلاسم اللفظة (إسم مدينتنا) التي نكن لها معزة كبيرة ، وإليها يرجع نسيجنا النفسي، ولا غرابة أن يرى الشخص مدينته هي (مركز) الكون، وما يعلل ذلك كما أسلفنا، أن المدينة تشكل النسيج النفسي للشخصية في بداياتها.
لست بصدد تقييم علّامة بوزن (د. سوني "ألأب")، لكنه يذكرني بمنهجية (الألمان). من أجل أن تستوعب (كاتالوك) لجهاز ألماني تحتاج إلى كاتالوك آخر. بعكس اليابانيين اللذين ينشدون راحة المستهلك في إيجاد أبسط السبل وأيسرها في إيصال الفكرة. ربما (رهبنة) العلاّمة سوني تجعله يقلب موضوعه في جميع الإتجاهات بهدوءٍ بادٍ. ويبث أفكاره بين السطور، يحتاج إلى مختصٍ كي يجمع حبّات الذهب من مجرى معلومات هادرة من نهر جبار كالأمزون. هذا الأسلوب ما نجده أيضاً في تبويبه لعوائل بغديدا في الفصل الثالث. (هنالك مقال