لفظة بَغْديدهْ  وقوانين الكتابة

نذير حبش

 لكل لغةٍ من اللغات قوانينها،  كتابةً  ونطقاً.  وما دمنا نكتب باللغة العربية الجميلة، ألتي أصر على أنها بنت اللغة السريانية ، فلا بدّ من مراعاة قواعدها، وقوانين كتابتها

لم أتجرأ أن أكتب سابقاً، حيث من المفترض أن أكتب منذ وقعت عيني على  تنوع  للفظة بغديده ـ ومنها عنوان الموقع نفسه ـ  كي لا يُؤخذ الأمر على أنه  شخصيّ ، حتى  قرأت مقالة جميلة لشخص له في قلبي معزة ومكانة إيجابية ، وما له  من مكانة ثقافية ، بغض النظر عن تضاد أفكارنا وتناقض فلسفاتنا في الحياة لكل منا.  وجدته يكتب لفظة بغديده هو الآخر بشكل (بخديدا).  وإذا أجرينا مسحاً على الكتابات في موقع ((بخديدا)) وحده على اللفظة ، لنجد تنوع أشكال كتابة اللفظة كالتالي

بخديدا

بغديدا

بخديدي

بغديدي

بغديده

 تكتب اللغة العربية كما تلفظ ، ويعطينا حالُ الواقع في بلدتنا الحبيبة بغديده ، حقيقة  كيفيةِ  نطق اللفظة ،  فلِما  كل هذا التنوع إذن في كتابتها؟! إستبيان بسيط نجريه الآن ـ ولو نظرياً أو على الخبرة المعاشة سابقاً ـ نجد أن الشعب البغديدي وكل الناطقين باللغة السريانية من القرى والمدن العراقية الأخرى يلفظها كالتالي

فتح الباء : بَـ ،  و تخفيف الخاء إلى غينٍ بعد تسكينها:غـْ ، ويليها أحرف ثلاث ،  دالٌ وياءٌ ودالٌ أخرى ، ثلاثتهم أحرف محايدة.  فلا  يصاحبهم الفتحة  ولا الكسرة ولا السكون، فأطلقت عليهم ما أسميه ألحياد. وننهي المفردة بهاءٍ ساكنة ، فيكون نطق اللفظة بالكيفية التالية : بَغْديدهْ

ومن هذه اللفظة ، التي هكذا ينطقها أهالي المدينة والناطقين بالسريانية ـ إذا ما كانت نتاجاتنا الأدبية والفكرية باللغة العربية ـ  نشتق منها النسب وغيره. بغديدي وبغديدية، بغديدين وبغديديات إلخ

علينا أن نتذكر دائما نحن نكتب للتاريخ، ولغيرنا ، وبالأخص غير الناطقين بالسريانية.  لذا وجب علينا مراعاة القواعد الصحيحة للغة التي نكتب بها ،  خدمةً للحقيقة العلمية ولحضارتنا. وما دمنا نكتب باللغة العربية فعلينا مراعاة قواعدها. ويختلف الأمر لو كتبنا بلغة أخرى. وما نكتبه اليوم هو تعبير ونقل حقيقة واقع اليوم وجعله وثيقة تاريخية للأجيال القادمة من الباحثين. فالقضية بالنسبة لي ليست شخصية ، ولا هي إبراز عضلات

قد يجاري البعض من مثقفينا الحقيقيين آخرين الغير العارفين بفن الكتابة ، ويكتب كما تكتب العامة. أو يأتينا بعضهم وهم يعيشون بعقلية القرون الوسطى ، يضعون نصب أعينهم الطبقة الجاهلة من المجتمع، كي ينال منهم بعض المديح والإطراء ، على أنه كاتبٌ دون أن تفقه هذه الطبقة من المجتمع ما نوع أو قيمة كتابات صاحبها   

 أعتبر نفسي من جيل الثمانينيات من حيث الزمن وليس من أية حيثيات فكرية  ـ  واللذين سبقونا كانوا  من جيل السبعينيات. حينها كان جيلهم يقود الثقافة في بغديده. فكان أحدهم يكتب مسرحيات ويشخّصونها المشخصاتيون. ويوماً دون تخطيط مني وفي مكان ما، قدم لي أحدهم إحدى  تلك أهم المسرحيات حسب رأي مضيفي، وطلب مني قراءة تلك المسرحية لأعتزازه  برأيي، وتلك كانت  بادرة  تستحق الإحترام حسب قواعد الذوق.

وما أمسكت بالنسخة المصورة للمسرحية ولم أكد أقرأ السطر الأول منها لا غير حتى ألقيتها على المنضدة، القابعة أمامي كقطٍ كسول يرمقني بنظرة خبيثة.  فتسائل المضيف مندهشاً عن السبب !

 أقولها دائماً ، ألمجاملة على حساب الحقيقة جريمة ، جاوبته على الفور : كاتب لا يعرف أن يفرق ما بين الحذاء والصليب، فكيف يكون مضمون المسرحية ذاتها ، ألمسرحية التي مثلت في بغديده في أكبر كنيسة في العراق  !؟! ولغة المسرح  لغة دقيقة ، فكل كلمة هي قراط ذهبي، كالقصة القصيرة ، وكلما نتجه إلى الشعر  تصل  اللغة إلى أهميتها القصوى ، لأن الشعر واللغة وجهان لعملة واحدة ، بعد أن كانت اللغة في الفروع الأدبية الأخرى مجرد  وسيلة لأيصال الفكرة ، لكن بشكل سليم ، لغة عامية كانت أم فصحى، تتطابق في فن الشعر فاللغة هي الشعر والشعر هو اللغة

والجملة الأولى لمسرحية صاحبنا  ـ بعد العنوان طبعاً ـ كانت ((يدخل فلان وهو يلبس صليباً..))!

أللبس قد يكون للحذاء والملابس ــ  حسب رأيي على الأقل ولا أدعي إني صاحب إختصاص ـ إذا كنا لا نأتي بمفردة بلاغية أخرى

 أليوم أنتم تكتبون فيقرأ العالم من أقصاه إلى أقصاه  بواسطة الإنترنت في الأقل .  فلا يضع الأديب البغديدي (الفلاني) قاصاً ،  شاعراً أو كاتباً كان ،  نصب عينيه (فلانة) التي لا تفك حرفاً في جملة كي تقول ((هايّ ئكّاثو)) ، إنما أديبنا يراعي أعلى درجات الدقة والإبداع  في مجال كتابته ، لغةً ومعنىً

فعلى المبدعين من أصحاب المقالات الراقية  والجميلة، عليهم أن لا يهبطوا إلى العامة ،  بل يدعون العامة  تحاول الوصول إليهم