ألسريانية قمحة الحكيم
نذير حبش
مدّ إلى علياء رابيته، فإفترش الأرض وجلس كعادته كل مساء ، بوجه متسائل وبقلب مفعم بالإيمان بربه رغم الشدائد. بعد أن أنهى صلاته التي لا يُعرف لها ميعاد ، رفع بصره نحو السماء المعفرة كملح البارود متأملاً. كانت كأرض سبخة ، بور، متشققة ، جلَدتها الشمس بسياط لهيبها، لا حنين يرطب نسمتها. ألسنة الثانية التي حبست السماء خيرها. إذا ضَنَت بهم هذا العام لن يكون لهم ما يقتادون علية بعد بذر الأرض ثالثةً. لم ييأس ، أو يتذمر الحكيم ، أعاد الصلاة ثانية ذاك المساء ، وأسلم الأمر لربه.
إنقضى موسم الأمطار وولّى دون أن تفرح السماء بدمعة واحدة. تزهّدوا ما استطاعوا حتى موسم الزراعة الجديد. آخر ما في الجبّ سوف يودعونه رحم الأرض ، ويتضرعون للسماء عسى أن تلده لهم وافراً ثانيةً.
ـ وهو يهيم بملأ مكياله ، هلا أعطيتني ذاك المنديل الحريري الأخضر، قال لولده البكر.
أطاعهُ ولده الأكبر ، وجاءه بمنديل حريري يتكسر عليه الشعاع الذهبي النقي ، الداخل خلسة من رازونة صغيرة ، محدثاً بريقاً ترتاح له العين ، وتمتلأ الروح طمأنينة وغبطة ، كأنه تحفة كانت العائلة تحتفظ به كما لو كان من بقايا ممتلكات مقدسة.
حرر إصبعه الملوثة من فمه ، بعد أن كان يراقب المشهد بإستغراب ، لم يكن قد جاوز الثالثة من عمره بأبعد من أشهر معدودة. سأل الطفل والده عن سبب الإحتفاظ بحفنة من القمح ، بعد أن عقدها على شكل سرّة في هذا المنديل الجميل.
ـ عندما تكبر وتشيخ مثلي سوف تعرف يا ولدي ، قال والده ، وهمّ بإخفاء تلك السرّة التي كان يحضنها بين كفيّه بعناية كطفل (النبوءة).
ألسنة الثالثة كانت عاقراً أيضاً كسابقتيْها. فرغ الجب من القمح تماماً ، ولم يبق للحكيم غير حفنة قمح المنديل. راح الحكيم وأولاده يزاحمون وحوش البراري والحشرات على قوتهم. هي الأخرى ، ألوحوش والحشرات ، لم تترك وسيلة أشارت إليها غريزتها للوصول إلى قمح المنديل إلاّ وسلكتها ، لكن دون جدوى ، فالحكيم كان قد إحتاط للأمر بكل ما إكتسبه من خبرة.
يخدم الأرض ويودع بذرة قمحٍ واحدة رحم الأرض كل عام ، وبعد أن يحفظ المنديل كعادته ، يتفانى في حراسة قمحته، داخل طوقٍ سوّره حوْلها من الصوان. ثم يواضب على إستعطاف السماء بصلواته.
أعاد الحكيم رابعة وخامسةً. كبر الصبي ، واعتاد أن يستهزء بوالده ، بعد أن كان قد إستلذ بما تقتاد عليه الوحوش والحشرات ، حتى تكاد لا تفرق سلوكه عنها.
لم ييأس الحكيم ، فكان أن حبلت السماء بالشوق للأرض ، فأخضرت وأينعت ، وأثمرت سنبلة ممتلئة. أودع حباتها رحم الأرض مرة بعد مرة ، حتى إمتلأ الجبّ ثانية. سنّ المحراث وهيّأ النير على ثيران الحقل ، ألتي دبّ فيها الروح ثانية هي الأخرى. طحنت المجاريش وعجنّ وخبزْن النسوة. قدم الحكيم رغيفاً من أرغفة بلاد الرافدين ، من دقيق القمح لولده الأصغر، تذوق يا بني ، قال الأب الحكيم لصغيره ، وأهجر الآن قوت الوحوش ، هذا هو خبزنا ، خبز الإنسان.
* *
لست من دعاة (تأليه) الأفراد بأي شكل كان ، لأنني إنسان ، لكنني سرياني.
تعجّبت لمّا سمعت أن سيادة المطران قد خُطف ، مطران السّريان ، في بلاد الرافدين قد خُطف !!
لكي تكون عربياً عليك أن تقدّم دليلاً قاطعاً إنك سريانيّ أولاً. وإن لم تستطع فأنت عربيّ الحضارة ولك في ذلك فخر أيضاً.
للجاهلين بالحقيقة ـ والجهل ليس عاراً مطلقاً ـ فالإنسان يولد جاهلاً ، ثم يسعى ، إن كنت عربياً فكيف تحارب ذاتك ؟!!
يكفي في بلاد الرافدين إذا إستوقفك أحّدهم أن تصرخ مفتخراً بأعلى صوتك : أنا سريانيّ ، ((ملح)) بلاد الرافدين ، لتجحظ العيون ويتحجّر كل ذي حركة ، ويُفسح لك.
لمن يقرأ هذه الأسطر، ألسرياني هو (قمحة الحكيم) هذا . لا غير الأعداء يتمنون زوالها من أرضها كي لا يبقى في بلاد الرافدين نبتٌ ولا إخضرار.