صباح كريم الكاتب

لأعزائنا الصغار

رسامات

عيون بخديدا

Museum متحف

أرشيف الاخبار

فنانونا السريان أعلام

أرشيف الموضوعات

أزاميـــــــــــل . . .    الى / سمير يعقوب

في خضم الضغوط التي اجتاحت هذا القلب وحيرة القسوة اللائبة في عيون الشارع بات الجنون عنه على مرمى حجر  كان يتراءى له احيانا ان الصبر كلام مقيت حديث لمن ليس له حديث ورأي ساذج , خائب لمن افتقد القدرة على التصويب هكذا بدا له مشهد الحياة تافها كما الحلم الفائت في ليلة مزعجة ضاجة بالترهات والكوابيس ( نفسي حزينة حتى الموت )* راح يقلب في رصيف الكتب المطروحة على خشب المكتبة كما الصيدلي يبحث عن دواء شاف لعلة مريض  التقى كتبا عدة بعيدة عن كابوسه المريع – صادف كتابا يتحدث عن ( أفيون الحب ) – زاده غيظا – غادر غرفة الكتب متجها صوب النافذة الصغيرة – يحدق في حديقته اليابسة – مسترجعا أيام الربيع والزهور الزاهية – نبات الظل الذي يتحلق حول مقاعد الخوص الأربع تتوسطها طاولة متواضعة من السعف المقوى مرورا بأمسيات الخميس , مواويل تبكي , مواويل تضحك , القبة السماوية و القيثار المكسور ,  وكل المواسم بما فيها تساقط أوراق التينة على المقاعد وعلى ذات الطاولة ثم تجرد الأغصان , ثم ركام الرمل على البلاط , ثم الغياب , غياب طيور السنونو ... ضاحكا في سره ( يا لهذا القلب كم يخفق )* ...

صورة

ربما كان تركيزي في الصورة قد لفت انتباهه، أو قد أغاظه بعض الشيء، وكأنني مسست منزلته بسوء.. أو، ربما باستحياء شعر بأنني أقف خائفا حيال تجاعيــــــد وجهه وشعره الأشيب والا لماذا جعل شفته السفلى ترتجف حنقا ..؟

  •  التمس عفوك ، أنا لم اقصد ذلك قط. أرجو أن لا تحدق بي هكذا ..

اندفع زجاج الصورة مثل همهمة رجل مسن ثم تناثر الجزء العلوي إزاء عينيه

  •  أرجوك لا ترعبني ، لماذا تهشم الزجاج، لم لا تتكلم ، تحدث ، قل شيئا ..

ظننت بانه حين افرد ذراعيه وحطم الإطار الخشبي قد عاوده ذلك الحنين إلي..

 والا لماذا خرج من الصورة ..

 

أمنيـــــــــــــات

 

على مقاعدهم الخشبية المتواضعة يجلسون جلساتهم الأبدية , يحدقون في لوحة .. سبورة سوداء جرداء من كل الكلمات .. سئم المعلم من كتابة التاريخ اضمحلت الممحاة ونفذ طباشير الصف من رسم شعارات .. بطولات .. فراغات .. تفاهات .. أفواه متعبة من تكرار ذات الكلمات المملة الباعثة لموت عميق ـ تتلمظ  طعم أمل مستحيل . وأسماء ضاق بها الحديث عن الأماني بفرج قريب , سعادات (ليتها ) مؤجلة ومواعيد على ورق .. يتساقطون كأوراق ربيع أجدب .. تتنهد صدورهم بألم قاتم .. موت .. ونار .. قليل خبز .. ضئيل نور .. نفس صاعد , نفس نازل ...... بالكاد ...

 

غربـــــــــة

في الذاكرة وحشة دائمة و أسفار للضياع , وبحث يائس عن سفن ضالة ـ السحب في نفسه تزداد تلبدا والريح تسوقه حيثما تشاء .. تتكاثف ثم تصفع نوافذ الذاكرة ليسترجع وحشة جديدة و أسفارا أخرى ـ شعر بأنه منزعج والمدينة التي غادرها للتو مغبرة .. كأنها تتلاشى تحت العجلات التي استباحت ذلك الشارع , تتكسر ثم تتساقط قطعا .. قطعا .. الشارع الطويل و وحده في هذا الغبش الاغبر ـ دخان و ضباب كثيف و هذا الخط الأبيض المضطجع وسط الشارع , كما رتل الجنائز يتجه صوب المدينة .. وضع الحقيبة الكبيرة جانبا وتوقف , تأمل الغربة مليا و ذهب في غيبوبة السموات الموحشة و المسافات المريعة المجردة من الخطوط والقمر البارد كالثلج ـ بدأ الرتل الجنائزي و كأنه يغادر المدينة .. ترك الحقيبة و تأبط أحلامه , ثم و برفق أخذ ينثرها على الخط الأبيض المتجه صوب المدينة ..

                    

محطـــــــــــات

لم يبق سوى هذه الأرائك , و منضدة صغيرة ـ و بعض الأسرة الضرورية , وما تبقى من الأثاث أجهز عليه شيئا فشيئا الى السوق القريبة , وذلك ليسد رمق الأيام المظلمة الموحشة التي اكلت سحنة هذا البيت .. كان لا بد من تدبير وتنسيق لهذه الحياة النكدة التي جعلته يجرع هذه الكأس بمرارة ـ يرتمي على أريكته غاطسا بين دفتي الجريدة يطالع موضوعا أضرم فيه نارا أخرى , أحرقت شغاف قلبه ـ يا لها من مصادفة كئيبة حين تجد أو تقرأ عن مأساتك أو كمأساتك في صحيفة يومية ـ رفع رأسا مثقلا بالهموم , و من خلف عدستين سميكتين أبصرها منهمكة بتقطيع و ترتيب أسمال ِ بيض ـ لم يعر لذلك أهمية , اذ عاود قراءته للموضوع الذي شغله ومصير المدينة التي حوصرت منذ سنين ـ رفع رأسه ثانية ليبصر ثوبا أبيضا نشرته على ساقين نحيلتين ممدودتين على البلاط ـ ربما ترى فيما اذا يصلح للصغار قميصا واحدا أو أكثر , حينها تيقن بأنه ثوب الزفاف  قبالة الأريكة يدان مرتبكتان يخالجها احساس بأن قواها تفارقها رويدا رويدا ـ أخذت تطلق العنان لحواسها في لذة تنتشر داخل الأطار الأبيض  عندما راودها ذلك الأحساس اللذيذ بأنها تحتوي هذا الأطار الجميل الذي ملأ مساحة عينيها .. عندئذ ِ كان يمكنها أن ترى خلف العدستين نجوى الأيام العذبة منثورة على أديم وجهه الصبوح .

كانت تشم عبير الثوب و هو يسترخي نحو قدميه مسافرا في ذاكرته الى مملكة نائية ـ كانت تحس بذلك الحزن العميق و تهمس مع نفسها : لقد فقدنا السيطرة حتى على الذكريات .

على الأريكة تتقلص المسافات النائية و تختصر في ليلة واحدة لتغدو لوحة مأساوية تغلف الذاكرة العتيقة لينطق الثوب الأبيض .

      ما رأيك .. أجميلة أنا بهذا ؟

  جميلة أنت بهذا أو بذاك ـ تختارين أو أختار .. لا فرق , فالورد سفير و بكل الرياض يليق .

هل يمكنك أن تتصور كيف سيكون يوم الخميس مزدانا بفرحتنا و نحن بثياب الزفاف .

      سأكون مجنونا بك , هل تعلمين ؟

رمقته بنظرة خاطفة من بين الخصلات المتهدلة على جبهتها أيقظته مع أول لمسة للمقص الذي شطر الثوب نصفين ـ كاد يمزق فيهما قلبين عتيقين يعتصران ألما .

كانت ضجة الأطفال تصل الى مسمعه ضعيفة خالية من الهدير اذ كان أحدهم منهمكا بتصنيع زورق ِ صغير من ورق اقتطعه من أحد الدفاتر المدرسية متوسلا بمساعدة أخته التي لوت رقبتها النحيفة على ذراع الأريكة بشرود ِ طفولي ِ آسر بينما كان الرضيع غاطا في نوم ِ عميق فاتحا فاه كمن يستغيث و مرسلا الى العدستين اللابدتين خلف الجريدة احساسا كبيرا باللوم , كان يرى على الشفاه المنفرجة لهذا الرضيع شيئا غريبا يعصر قلبه . قط لم يكن احساسا بالظمأ .. كان نشيجا غامضا مكتوما زرع في نفسه أسئلة

·  لكنني بحثت (يقول لنفسه ) بحثت كثيرا عن عمل ـ ما ذنبي ؟ ماذا أفعل ..؟ صاحب المقهى يرفضني ـ الأسكافي يطلب مني خبرة في العمل لا أمتلكها ـ

دفن رأسه خلف الجريدة التي اختلطت أحرفها أمام الزجاج المبتل دمعا مرغما ... و بحركة حادة تحمل كبرياء رجوليا يستدير نحو النافذة كمن يعبث بشيء ما .. منشفا خديه الملتهبين بقبضته المكورة ـ ( سأبحث في الصباح ـ سأبحث من جديد , فالأفق ليس نهاية المدى ) .

ينتشله ضجيج الصغار المعلن عن اكتمال الزورق الصغير , تمطى جسده محتويا ذلك الأنتشاء اللذيذ , مفصحا عن ابتسامة دافئة .. قابلتها ابتسامة أدفأ ...

                                       

صباح كريم الكاتب

Sabahalkatip61@yahoo.com